نص المحاضرة الثانية لقائد الثورة ضمن دروس شهر ذي الحجة 1447هـ
السياسية :
نص المحاضرة الثانية لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ضمن دروس شهر ذي الحجة "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" .. الأربعاء الثالث من ذي الحجة 1447هـ/ الموافق 20 مايو 2026م.
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
القرآن الكريم، من منهجيته العظيمة، وهو كتاب الله الحكيم: أنَّه يعطي القضايا المهمة أهميَّةً، وسواءً:
- فيما يتعلَّق بطريقة تقديمها، وأسلوب تقديمها، بالشكل الذي يتضمَّن ما يُشْعِر بأهميتها، في نفس صياغة القرآن الكريم، وطريقة التَّقديم.
- أو في المساحة التي يعطيها.
ولهذا نجد أنَّ القرآن الكريم أعطى مساحةً واسعة للحديث عن فريق الشرِّ من أهل الكتاب: اليهود ومن معهم من النصارى، الذين قال عنهم: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]، عن خطورتهم، وعن عداوتهم الشديدة لهذه الأمَّة، وعن أنَّهم الأعداء الرئيسيون لهذه الأمَّة على امتداد تاريخها، وبمقدار ما يشكِّلونه من خطورةٍ كبيرةٍ عليها في دينها ودنياها، كل هذا يفيده، ما قدَّمه القرآن الكريم من هدًى عظيم يتعلَّق بذلك، ومن مساحةٍ واسعة عن الحديث عنهم.
ولذلك نجد أنَّه من المؤسف جدًّا أن تكون الأمَّة الإسلامية في حالة غفلة من جهة، وفي حالة جهل رهيب من جهة عن أولئك الأعداء، بالرغم من الحديث الواسع عنهم في القرآن الكريم، الحديث الذي فيه الهداية الكاملة، سواءً:
- في التشخيص لهم، والتقييم لهم، والحديث عن طبيعة خطورتهم، وعن طبيعة الصراع معهم.
- أو الهداية لكيفية المواجهة لخطرهم، ودفع شرِّهم.
في (سورة البقرة) مساحة واسعة من الحديث عنهم، الحديث عن اليهود، والحديث أحياناً كذلك بشكلٍ أوسع عن فريق الشر من أهل الكتاب بشكلٍ عام، في هذه التربية القرآنية، تصيغ النفس المسلمة لتكون كذلك، يعني: مثلما القرآن الكريم يعطي القضايا المهمة أهمية في حديثه عنها، في طريقة تقديمها، في ما يعطيها من المساحة، هذه أيضاً تربية إيمانية وقرآنية لنا كمسلمين، لمن يهتدي بالقرآن الكريم، أن يكون على هذا النحو: أن يعطي القضايا المهمة أهميتها، أن يتفاعل معها على أساسٍ من هذا الوعي، من الشعور بأهميتها الكبيرة، ومن خطورة التفريط فيها، والتجاهل لها، والغفلة عنها، وهذا جانبٌ من الاهتداء بالقرآن الكريم: أن يستشعر الإنسان أهمية ما أعطاه القرآن أهميَّةً، وأن يتفاعل على هذا الأساس.
حينما نعود إلى القرآن الكريم، يجب أن نركِّز على الإصغاء، وعلى التفهُّم، وأن نوطِّن أنفسنا على الالتزام بما فيه من تعليمات وتوجيهات؛ بهذا تتحقَّق الهداية، الاهتداء بالقرآن الكريم، حينما يكون إنسان مصغياً لهدى الله، متفهِّماً، وفي نفس الوقت يوطِّن نفسه على الالتزام، بدون ذلك؛ مهما سمع الإنسان من الهدى، ومهما شاهد من مصاديق في الواقع، تتحقَّق في أرض الواقع، فيمكن ألَّا ينتفع بذلك:
- لا في اكتساب الوعي اللازم.
- ولا على مستوى الجانب النفسي: في زكاء النفس، في ترسيخ حالة الاهتمام فيها، والشعور بالمسؤولية، والتفاعل الجاد مع الأمور المهمة، التي لها أهميَّتها بالنسبة للإنسان في الدنيا والآخرة.
- ولا حتى في أن يتحصَّن الإنسان بالهدى، والبصيرة، والوعي، من التضليل: التضليل حتى على مستوى الموقف، التضليل حتى على مستوى التوجه العملي، والتضليل على مستوى مسيرة الإنسان تجاه هذه المخاطر ومواقفه منها.
هذه مسألة مهمة جدًّا، هناك نصٌ مفيدٌ لشهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، قال فيه: ((عندما يكون الإنسان غير مهتم، ولو كان في عصرٍ مليءٍ بالأنبياء، ولو كانت آيات الله تتنزل، ولو يشاهد عصى موسى تتحوَّل إلى ثعبان، إذا لم تبنِ عليها قاعدةً أساسيةً عندك: التزاماً، وفهماً، ووعياً؛ فستكون عرضةً للتضليل))، وفعلاً هذا النص مهم، ومفيد، وواقعي.
نجد- مثلاً- في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" وبني إسرائيل، نبيٌ عظيم، ورسولٌ كريم هو موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كليم الله، بما أعطاه الله من الآيات العجيبة، والمعجزات العظيمة، وبما أهَّله له من دورٍ عظيم لإنقاذ بني إسرائيل وهدايتهم، ومعه إلى جانبه أخوه هارون "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، كذلك جعله الله رسولاً ونبياً ووزيراً، يعين موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ومنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالهداية والنور على موسى وهارون، لهداية بني إسرائيل، ولإنقاذهم وخلاصهم، وشاهد بنو إسرائيل موسى وهارون، والمعجزات العجيبة، والآيات الكبيرة والعظيمة، آيات كبرى، وصفها الله في القرآن بأنها كبرى، يعني: من الآيات العجيبة جدًّا، منها: الآيات المتعلِّقة بعصى موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ومنها: الخلاص العظيم الذي كان بآية عظيمة جدًّا، بانفلاق البحر وخروج بني إسرائيل من بين البحر، بعد أن فلقه الله لهم بسلامٍ واطمئنان، وغرق أعدائهم وهم ينظرون... وغير ذلك، آيات عجيبة جدًّا، ثم بعد ذلك تمكَّن السامري من أن يضلهم بكلِّ بساطة، بكلِّ بساطة، أن يضلَّهم ضلالاً كبيراً، ضلالاً عظيماً، كيف لم يتأثروا بكل تلك الآيات التي قد شاهدوها، ولا بما كانوا قد سمعوه من الهدى من موسى وهارون؟ كل ذلك لم يحصِّنهم من الضلال، لماذا؟ لأن هذه هي الإشكالية: عدم التفهُّم، الإصغاء، التوطين للنفس على الالتزام، الارتباط الوثيق بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ونحن في هذا العصر، الإنسان فيه معرَّض لحملات كبيرة جدًّا، من الدعاية، والإعلام المليء بالإضلال، الموجَّه إلى الناس، وحالة اللوم الكثيرة، وكذلك ضغط الأحداث، والعوامل المتنوعة المؤثِّرة سلباً في نفوس الناس، فالإنسان أحوج ما يكون إلى أن يستوعب هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يستوعب- في الحد الأدنى- الثوابت والمفاهيم الأساسية، التي تحصِّنه من الضلال، من الزيغ، والتي تحميه من التأثُّر بما يأتي من جهة الأعداء، وبالعوامل المؤثِّرة السلبية، التي تدفع الإنسان للانحراف أو الزيغ، أو تتَّجه به اتِّجاهاً بعيداً عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
الآية القرآنية التي نتحدَّث على ضوئها اليوم، بالاستفادة مما قدَّمه شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، في دروسه القيِّمة (من هدي القرآن الكريم)، هي قول الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104].
هذه الآية المباركة، كما تحدَّثنا بالأمس، في سياق الحديث عن هذه الدروس إن شاء الله:
- يكون التركيز على حفظ الآية المباركة، والاستيعاب لها.
- ثم كذلك الترسيخ لعناوين المفاهيم الأساسية، والثوابت المقدَّمة على ضوئها.
في الحديث عن هذه الآية المباركة، هناك أولاً: ما يتعلَّق بسياق الآية، دروس مهمة ومستفادة من نفس سياق الآية وموقعها بين الآيات المباركة في (سورة البقرة)، وما قبلها من الآيات هو حديثٌ عن بني إسرائيل، وكذلك من صيغة هذه الآية، فيما فيها من تأكيد، قدَّمت ما قدَّمته من توجيهات وتعليمات بصيغة تأكيد؛ ولهذا قال فيها: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، وكذلك تحذير، تحذير شديد: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، والموضوع الذي قدَّمته هو هذا: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104].
هذه الآية المباركة فيها الكثير من الدروس المهمة، نستعرض البعض منها على التفصيل، كما ورد في دروس من هدي القرآن الكريم، بمقتطفاتٍ منها، مع بعضٍ من التعليق فيما يتعلَّق بهذه المرحلة ومتطلباتها إن شاء الله.
يقول شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ": ((هذه الآية من أهمِّ الشواهد على أنَّ كتاب الله حكيم، وأنَّ هذا القرآن من عند الله، قضيةٌ ليس فيها شك، فعندما يتأمل الإنسان يزداد إيمانه، يزداد يقينه بهذه القضية: أنَّ القرآن كتابٌ أحكمت آياته بالشكل الذي لا يمكن على الإطلاق ولا حتى في وضع آياته في داخل هذه السور، أن تكون من رؤى أي مخلوق آخر، لا ملك، ولا نبي... ولا أيِّ شخصٍ آخر))، يعني: حتى على مستوى ترتيب الآيات، وموقع كل آية في إطار سياقها، ما قبلها وما بعدها، عندما يتأمل الإنسان يجد أنَّ هذا فعلاً لا يمكن أن يكون إلَّا من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن الإحكام للآيات القرآنية فيما تفيده، حتى على مستوى السياق، هو فوق قدرة حتى الملائكة، لا يستطيع لا ملك، ولا نبي، ولا أي إنسان أن يقدِّم بهذا المستوى، أن يُحْكِم بهذا المستوى في تقديم هذا الهدى العظيم وترتيبه.
ويبدأ شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، بتقديم الدروس المهمة من خلال سياق الآية المباركة؛ لأنها دروس ذات أهمية كبيرة جدًّا، من نفس السياق، ومن نفس موقع الآية المباركة: ((ما علاقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، بالموضوع السابق، ألا يبدو بأنه توجيهٌ جديد؟ الآن نحن مقبلون على آيات سمعناها، معظم ما فيها توجيهٌ للمؤمنين))؛ لأن ما قبل الآية هو عرضٌ قرآنيٌ عن بني إسرائيل، عن تاريخهم، عن قصصهم، عن ما حدث في تاريخهم، عن تشخيص لهم، عن نعم الله عليهم، وكيف تعاملوا مع نعم الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي مقدِّمتها: نعمة الهداية، ثم في هذا السياق إذا بالآية القرآنية توجُّه النداء إلينا نحن، إلى المؤمنين، الذين آمنوا، ليقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، هنا نتأمل ما هي العلاقة بين ذلك العرض عن بني اسرائيل، ثم يأتي هذا النداء، هذا الخطاب المباشر للذين آمنوا.
((أليس كذلك؟ توجيهٌ للناس هو اتَّجه هذا الاتِّجاه، اتَّجهت هذه الآيات هذا الاتِّجاه بعدما أعطى صورةً كاملةً عمَّن؟ عن أمَّةٍ لم تهتدِ بهدي الله، كيف وصلت إلى أحط مستوى، وإلى أسوأ نفسية))؛ لأن هذا من أهمِّ الدروس التي نستفيدها من العرض القرآني قبل هذه الآية عن بني إسرائيل، تشخيص دقيق لهم، نصل من خلال هذا التشخيص إلى: أنَّهم أمَّة لم تهتدِ بهدي الله، والنتيجة كيف كانت؟ كيف وصلوا على المستوى النفسي، وعلى مستوى الانحراف في واقعهم: واقعهم الثقافي، واقعهم العملي، واقعهم النفسي؟ كيف وصلوا إلى مستوى سيء، إلى أحط مستوى، وإلى أسوأ نفسية؟ والسبب هو ماذا؟ أنَّهم لم يهتدوا بهدي الله، لم يقدِّروا نعمة الهدى التي كانت أعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم، فكان تعاملهم مع هدي الله، وتلك الطريقة السلبية، هو الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.
هذا يعطينا نحن، كأمِّةٍ مسلمة تتَّجه على أساس الاهتداء بالقرآن الكريم، درساً مهماً: في كيف ينبغي أن يكون تعاملنا مع هدى الله، وألَّا نسير في نفس الاتِّجاه الذي ساروا هم فيه، في طريقة تعاملهم معه هدى الله؛ لأن المسألة خطيرة جدًّا، لها هذه النتيجة: أن يصل الإنسان إلى أحطِّ مستوى، وإلى أسوأ نفسية، حينما يكون تعامله مع هدى الله بطريقة سلبية، لا يهتدي بهدى الله، لا ينتفع بهدى الله، تكون النتيجة خطيرة جدًّا.
((إذاً هذا الموضوع عندما تعرض حياة أو تاريخ أمَّة على هذا النحو، هي تخلق لديك حالة من ماذا؟ من التسليم لله، وحالة من ماذا؟ من التَّقبل لِمَا يأتي من عند الله))؛ لأن هذا هو الاهتداء، الاهتداء قائم على التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والتَّقبل، التَّقبل لِمَا يأتي من عند الله في واقع العمل، في واقع الالتزام، على مستوى الموقف بشكلٍ عملي، التسليم لله هو قضية عملية، التَّقبل لهدى الله هو قضية عملية، والتزام عملي، واستجابة في ميدان العمل والالتزام.
والقرآن الكريم يربينا هذه التربية: كيف نتعامل معه هدى الله على أساس التسليم لله، والالتزام العملي، والتَّقبل العملي، ونجد حينما نتأمل في واقعنا كأمِّةٍ إسلامية، وصلت إلى مستوى ما وصلت إليه من الشتات، والانحطاط، والضعة، وسيطرة أعدائها عليها، وفقدان عناصر القوَّة... وأشياء كثيرة، ومعها القرآن، ومعها القرآن تتلوه، يتوفَّر كمصحف بشكلٍ كبير، ويطبع بطبعات كثيرة، لكن لماذا ومعها القرآن تصل إلى ما وصلت إليه؟! لأن الخلل هو في مستوى الاهتداء بالقرآن الكريم، الاهتداء الذي يترتب عليه التزام عملي، واستجابة عملية، وتسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
((من أخطر الأشياء على الناس))، هذه جملة مهمة جدًّا، ((من أخطر الأشياء على الناس: تلك القضايا التي تبدو طبيعية، لكنها ذات أهميَّة كبيرة جدًّا))، هذه مسألة مهمة جدًّا؛ لأن هذا مما يكثر التفريط فيه، حينما يتعامل الانسان بمزاجه الشخصي، وتقييمه للأشياء، لا يعطيها نفس الأهميَّة التي أعطاها الله في القرآن الكريم؛ وإنما يحمل هو انطباع عنها، فينظر إليها كقضايا عادية، وهي قضايا ذات أهميَّة كبيرة جدًّا، النظرة إليها كقضية عادية في تقييم الإنسان الشخصي لها، بحسب نظرته القاصرة، ومزاجه الشخصي؛ يسبب إلى التهاون فيها، يدفع الإنسان إلى أن يتهاون بها، ثم يكون للتفريط فيها عواقب خطيرة جدًّا، وكان منشأ هذا التفريط، هو: تلك النظرة القاصرة، إلى أنَّ تلك المسألة مسألة عادية، ليست ذات أهمية كبيرة؛ وبالتالي لم يتوفَّر لدى الإنسان الدافع القوي للالتزام بها.
فربط المسائل بالمزاج الشخصي، والتقييم الشخصي، ثم ما يترتب على ذلك من طريقة التعامل، التي فيها تهاون، وتفريط، وإهمال، أمر خطير جدًّا؛ ولهذا في العلاقة مع هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفي ترسيخ التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فالإنسان يتخلَّص من هذه الحالة، يعني: لا يتعامل مع ما يأتي من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من توجيهات، من خلال نظرته الشخصية القاصرة، التي تستبسط الأمور، وتتهاون بها بناءً على ذلك، بل يعطي أهمية كاملة لكل ما أتى من الله من تعليمات وتوجيهات، ويدرك أنَّها ذات أهمية، حتى لو لم يستوعب هو مستوى الأهمية، أو لم يستشعر مستوى الأهمية، أو لم يفهم حتى مستوى الأهمية، لا يحتاج إلى ذلك، إجمالاً: يدرك الانسان بأن ما يأتينا من الله من توجيهات وتعليمات ذات أهمية كبيرة، وعلينا أن نسلِّم لأمر الله بالالتزام العملي، هذه تربية مهمة جدًّا، وهي تربية ترتقي بنا إلى مستوى الالتزام، والحذر من التفريط، ومن الوقوع في عواقب التفريط نتيجةً لاستبساط الأمور بالنظرة القاصرة.
هذه الجملة مهمة جدًّا؛ لأنه مثلاً على سبيل المثال وبشكلٍ عام: نرى واقع الأمَّة اليوم في النظرة إلى موضوع الصراع مع اليهود، ومع فريق الشر من أهل الكتاب، كلها دخلت في هذه الإشكالية: استبساط لهذه المسألة، غفلة عنها، تجاهل لها، والكثير إلى الآن- يعني: بالرغم من كل ما قد حدث من أحداث كبيرة جدًّا، أحداث رهيبة- لم يتفاعلوا، إلى الآن لم يتفاعلوا مع المسألة إلى أن ينظروا فيها بجدِّيَّة، أن يلتفتوا إلى دراسة ما ورد عنها في القرآن الكريم، مع ما يحدث في الواقع بجدِّيَّة، ما يزال الكثير مصرِّين على الإعراض عنها، هذه إشكالية كبيرة.
((من أخطر الأشياء على الناس، من أخطر الأشياء على الناس: تلك القضايا التي تبدو طبيعية، لكنها ذات أهمية كبيرة جدًّا، فأن تأتي هذه الآية، التوجيه لقضية هي تبدو طبيعية، قد يكون أي إنسان معرَّضاً لئلا يهتم بها، ويراها توجيهاً في موضوع يبدو وكأنه غير مهمٍ جدًّا، فلا يبالي به، لكن له أهميته الكبيرة، فبعد أن يكون الإنسان قد استعرض الصورة السابقة، وحصل لديه قناعةٌ وإيمانٌ بأن الإنسان لابدَّ أن يلتزم حرفياً بهدي الله، ويسلِّم لله، إذاً سيكون عنده استعداد أن يتقبَّل ولو تلك الأشياء التي قد تكون محط تساؤلٍ لديه، أو قد لا يشعر بأهميتها، وفي الأخير لا يبالي بها)).
إذاً هذه الآية المباركة في إطار سياقها، وموقعها، بعد ذلك العرض القرآني، نستفيد منها: معالجة تربوية لمسألة الاهتمام بما يأتينا من الله، واستيعاب أهميته، وألَّا نخضعه لنظرتنا القاصرة، ومزاجنا الشخصي، أو تقديراتنا الناقصة للأمور، بل أن نحرص على أن نتقبَّل ما يأتينا من توجيهات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأن نسعى للالتزام الحرفي بها، مسلِّمين لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومستجيبين له بذلك، حتى لو لم نستوعب في داخل أنفسنا أهميَّة بعض الأمور التي قد تبدو طبيعية بالنسبة لنا، هذا يعود إلى نظرتنا القاصرة، إلى نقص وعينا، ما يأتينا من الله مهم جدًّا، ما يأتينا من هدى الله له أهميته حتى في القضايا التي تبدو طبيعية بالنسبة إلينا.
هذا درس مهم جدًّا، من أهم الدروس التربوية، ومن أهمِّ الأسس التي نحتاج إليها في الصراع مع اليهود، في الصراع مع اليهود؛ لأن هناك أموراً كثيرة قد لا يستشعر البعض من الناس مستوى الأهمية لها؛ فيفرطون فيها، فينتج عنها مخاطر كبيرة في الواقع، وهذه نقطة مهمة؛ لأنه سيأتي أيضاً التفصيل ما هو التوجيه الذي أتى في هذه الآية، ثم أتى عليه هذا التأكيد في داخل الآية، بعبارة: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، والتحذير في داخل الآية: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، مع ما يستفاد من السياق نفسه، من مخاطر التفريط في هدى الله، وعدم الاهتمام بالإصغاء والتفهُّم، وعدم التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" على مستوى الالتزام العملي تجاه ما يهدي إليه، وهذه مسألة مهمة جدًّا، ترتقي بنا في مستوى الاهتمام، وهذا من متطلبات الصراع: أن نكون على درجة عالية من الاهتمام والتَّقبل لهدى الله، والالتزام العملي فيما نعمل، وفيما نترك، فيما علينا أن نقوم به، في النظرة إلى الأعداء أنفسهم، إلى اليهود، والموقف منهم، والجدِّيَّة في الاهتمام بذلك، هذا درس مهم جدًّا.
يقول أيضاً في هذا السياق نفسه، بعد جملةٍ من الحديث عن الموضوع: ((تجد في باقي الآيات حديثاً عن التسليم لله، التسليم لله أساساً هو الذي ينبع من التفريط فيه: الإعراض عن هدي الله، إذا لم تكن النفوس مسلِّمةً لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ فستكون مُعْرِضَةً عن هدية، إذا أعرضت عن هدية؛ سترى كيف سيكون مصيرها))، وهذا هو ما تعاني منه أمَّتنا الإسلامية.
أمَّتنا الإسلامية، كيف وصلت إلى مستوى أن يكون اليهود الذين ضرب الله عليهم الذِّلة والمسكنة، والذين كانوا قد وصلوا في مراحل تاريخية- من تاريخنا نحن الأمَّة الإسلامية- إلى تحت الصفر، ثم عادت وضعيتهم لتكون بالمستوى الذي يذل هذه الأمَّة على مستواها الكبير، في عديدها، وعتادها، ورقعتها الجغرافية، وإمكاناتها الهائلة، أن يذلُّوا هذه الأمَّة، أن يسيطروا إلى هذه الدرجة، وهم الذين ضرب الله عليهم الذِّلة والمسكنة، وكانوا قد وصلوا إلى ما تحت الصفر، ما الذي حدث؟ هي حالة الإعراض التي هبطت بالأمَّة، فلم تستفد بالقرآن وهو معها، تتلوه، لكن واقعها على المستوى العملي، وعلى مستوى الاهتداء بالقرآن وعياً، وفهماً وبصيرةً، الحالة هي حالة إعراض، حالة إعراض.
لماذا أتت هذه الحالة من الإعراض؟ هي ناتجةٌ عن خللٍ في التسليم، التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في ميدان العمل، في الالتزام العملي، نتج عنه حالة الإعراض، الإعراض ينتج عنه هذه الحالة التي يصل الناس إليها: من شقاء، من ذل، من هوان، من خزي في الدنيا، والمخاطر الكبيرة جدًّا بالعذاب العظيم في الآخرة.
ثم في هذا السياق نفسه، يعني: نعود إلى درس أيضاً مهم جدًّا من نفس السياق الآية، يعني: قد استفدنا مجمل دروس:
- في مقدِّمتها: كيف نتعامل مع هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ومع ما يأتينا من هدى الله، وأن نعطيه أهمية، وألَّا نخضعه لمزاجنا، ولا لتقديراتنا الخاطئة، مهما بدا في نظرنا أمراً طبيعياً وعادياً، ينبغي أن نستشعر أهميته؛ باعتباره من هدى الله، والله يعلم ما لا نعلمه، هو الأعلم بكل شيء "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
- ثم أيضاً إدراكنا بمخاطر التفريط فيما وجَّه الله إليه، المخاطر الناتجة عن عدم التسليم لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بالالتزام العملي، وكيف كانت النتيجة التي وصلها بنو إسرائيل من قبلنا في تاريخهم؛ لأنهم لم يهتدوا بهدى الله، لم يسلِّموا حرفياً بالالتزام بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
ثم هنا نصل إلى درس آخر، يتعلَّق باليهود أنفسهم، يقول شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ": ((إذاً هذه أمَّةٌ خطيرةٌ جدًّا، معنى مجمل الموضوع))، يعني: ذلك العرض القرآني الذي استبق هذه الآية، وأتت هذه الآية في سياقه، يبين لنا ماذا؟ ((مجمل الموضوع: أمَّة خطيرة جدًّا، أو طائفة من البشر الذين هم اليهود خطيرون جدًّا))، يعني: لأنهم وصلوا إلى مستوى سيء جدًّا، إلى أسوأ مستوى على المستوى النفسي، في خبث نفوسهم، وسوء نفوسهم، الحالة التي وصلوا إليها ((ولا يزالون يعملون بهذه النفسية نفسها التي قدَّمناها لكم في هذه الآيات، بالنفسية نفسها، بالروحية نفسها، إذاً فيجب أن تكونوا حذرين جدًّا، ودقيقين جدًّا في التعامل معهم، وتعطوا لكلِّ قضيةٍ أهميتها في الصراع معهم)) وهذا درس مهم جدًّا، درس يفيدنا موقع هذه الآية في إطار سياقها، ومضمون السياق نفسه، ما ورد في الآيات المباركة ما قبل هذه الآيات، ترسِّخ فينا هذه النظرة تجاه اليهود:
- أنهم أمَّة خطيرة جدًّا فيما وصلوا إليه من خبث أنفسهم، من سوئهم، من انحرافهم.
- ثم في ضرورة أن نتعامل بحذر شديد، وأن نعطي كل قضية في الصراع معهم أهميةً كبيرة، أن ندرك الأهمية في مجال الصراع معهم، لا نتهاون بأي شيء.
كيف هي النظرة التي غلبت في الساحة الإسلامية؟ هي حالة الغفلة بشكلٍ كامل، يعني: الفجوة الكبيرة جدًّا ما بين هذه التربية القرآنية، التي يربِّينا عليها القرآن الكريم، لنكون على هذا المستوى من الوعي، هذا المستوى من الاهتمام، هذا المستوى من اليقظة والحذر، هذه النظرة تجاه اليهود: بأنهم بهذا المستوى من الخطورة، وأنَّه يجب أن نكون تجاه ذلك على هذا المستوى من الحذر، وإعطاء كلّ قضية أهميتها في الصراع معهم؛ الحالة السائدة في العالم الإسلامي بعيدة عن كل ذلك، غفلة بشكلٍ كامل، إعراض تام، تجاهل لما يجري، وهذا بشكلٍ رهيب جدًّا في أوساط كثير من الأمَّة، كثير من الأمَّة لا يلتفتون إلى الموضوع إطلاقاً، كثير من الأمَّة هم في حالة اتِّجاه الغفلة والإعراض عن كل ما يجري، وإفساح المجال لليهود ليصلوا إلى أيِّ مستوى يصلون إليه في استهدافهم لهذه الأمَّة، وفي هجمتهم على هذه الأمَّة، ويقابلون ذلك بالتجاهل الكامل، وكأنَّ القرآن لم يقدِّم لنا أيَّ شيء عن أولئك الأعداء.
لذلك ندرك أهمية هذه التربية القرآنية، ونربِّي أنفسنا عليها، ثم نحاول أن تستوعب أمَّتنا الإسلامية، أن يكون جهدٌ من جهودنا، ونشاطٌ من أنشطتنا، واهتمامٌ من اهتماماتنا: أن نعيد الأمَّة إلى القرآن الكريم؛ لتتربَّى هذه التربية التي فيها نجاتها، فيها خلاصها؛ لأن حالة التجاهل التام لما يعمله أولئك الأعداء، الذين هم بهذا المستوى من الخطر، ويربِّينا القرآن أن نقابل خطورتهم بهذا المستوى من الحذر، التجاهل لذلك، حالة خطيرة على الأمَّة، الإعراض عن ذلك، حالة خطيرة على الأمَّة، إفساح تام للمجال لأولئك الأعداء، الذين هم على أسوأ مستوى من الخطورة على هذه الأمَّة، ليحقِّقوا نتائج كبيرة في الإضرار بهذه الأمة.
((إذاً فيجب أن تكونوا حذرين جدًّا، ودقيقين جدًّا في التعامل معهم، وتعطوا لكلِّ قضية أهميتها في الصراع معهم))، وعندما نتحرَّك في الصراع معهم بهذا الوعي، بهذه التربية، بهذه الروحية، بهذا المستوى من الحذر، والجدِّيَّة، والاهتمام؛ هذا سينقلنا نقلةً مهمة في أدائنا، في عملنا، في تحركنا في كل المجالات؛ لأن هذا يشمل كل مجال من المجالات: المسار الإعلامي، المسار العسكري، المسار الأمني، المسار الاقتصادي... كل مجال من المجالات نتحرَّك فيه بهذا المستوى من الحظر؛ لأن ميدان الصراع معهم ميدان شامل، في كل المجالات.
يقولوا أيضاً: ((هذه الآية))، الآية المباركة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، ((هذه الآية تتحدَّث- كما يقولون- بأنَّ اليهود كانوا يستخدمون كلمة: {رَاعِنَا}، التي هي كلمة عربية، مفردة عربية، معناها العربي معروف: أمهلنا، أو أنظرنا))، يعني: كان العرب يستخدمون هذه المفردة حتى في المدينة المنوَّرة، في محيط النبي "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، في أوساط المسلمين هناك، يستخدمون هذه المفردة في التخاطب مع النبي "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، بهذا المعنى العربي: (أمهلنا، أو انظرنا)، فاليهود كانوا يستخدمون هذه المفردة، ((يستخدمونها بمعنى سيء لديهم، سيء في النفوس))، يعني: يقصدون في أنفسهم من استخدامها معنىً سيئاً في أنفسهم، ينوونه في أنفسهم، ((سيء في النفوس بمعنى: شرير، أو من الرعونة، التي تعني السفه، والحماقة، والطيش))، يعني: يقصدون بها هذا المعنى المسيء، فيريدون بها أن يستخدموها بطريقة يسيئون فيها إلى النبي "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، من خلال ما يقصدونه في أنفسهم باستخدام هذه المفردة.
((أي: كلمة معناها في داخل النفس، وليس في إطلاقهاً، معناها عند اليهودي سبٌّ للرسول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، إذاً هنا قضية يهودية لا تزال في الأعماق، داخل اليهودي، لا تزال في الأعماق داخل اليهودي، تعتبر ماذا؟ يحارب بها النبي، وهي ما زالت في داخله، لم تظهر على لسانه، لم تتحرَّك بشكل موقف، ما زالت في الأعماق، يجب أن تكونوا دقيقين في التعامل مع هذه، ليس فقط ما يبرز من اليهود، بل ما لا يزال في أعماق أنفسهم نوايا لديهم)).
وهذه تربية متقدِّمة جدًّا، يعني: ترتقي بالأمة لو أنَّ الأمَّة حملت هذه التربية القرآنية، واستوعبت هذا الهدى؛ لَمَا تمكَّن اليهود أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلى ما وصلوا إليه من نفوذ، وسيطرة، واحتلال، وهيمنة كبيرة في واقع هذه الأمَّة، لَمَا وصلوا إلى ذلك إطلاقاً؛ لأن القرآن الكريم يربينا هذه التربية: أن نتحرَّك في مواجهة اليهود، واتِّخاذ مواقف عملية، حتى تجاه ما لا يزال نوايا ومقاصد في داخل أنفسهم، لم يخرج إلى الواقع بشكل عملي، بشكل أعمال، بشكل قتل، أو بشكل أنشطة عدائية في الساحة؛ لأنه هنا اتَّخذ موقفاً منهم، وعلَّم المسلمين لاتِّخاذ موقف، وأمرهم بذلك تجاه ماذا؟ تجاه مقصد نفسي، شيء يقصدونه في أنفسهم، معنى لمفرده بشكلٍ سيء، لا يزال في داخل أنفسهم، لم يخرج إلى الواقع العملي بشكل أحداث، أو بشكل أنشطة تخريبية عدائية في الساحة، فلم يتساهل معهم، لم يتساهل معهم إلى أن يصل الأمر إلى مستويات خطيرة وكارثية.
وهنا القرآن الكريم يحدِّد لنا:
- ميدان الصراع معهم.
- مستوى الأهمية للموقف منهم.
- ومتى نبدأ في التحرُّك ضدهم، متى نبدأ.
كانت البداية من ذلك الواقع، من تلك الظروف، من هذا المستوى من التحرُّك العدائي من جانبهم، الذي لا يزال في إطار استخدام مفردة لمعنى سيء، يسيئون بها، بمقصد، هذه الإساءة لا تزال مقصد يقصدونه في أنفسهم، معنى في أنفسهم، هذا المستوى المتقدِّم من التحرُّك الجاد، وبعناية، وبتأكيد في مواجهتهم، يبيِّن لنا- فعلاً- الفجوة الكبيرة جدًّا في واقع الأمَّة، يعني: الآن وصلت الأمَّة إلى أنَّ الكثير منها لم يحنِ الوقت عندهم للتحرُّك لاتِّخاذ مواقف ضد اليهود بأي شكلٍ من الأشكال، حتى بالرغم مما قد فعلوا ويفعلون، وما قد وصلوا إليه، وما قد حصل من كوارث كبرى، وطامات رهيبة، ما يفعلونه:
- على مستوى حربهم الناعمة المفسدة، المضلَّة، التي قد أحدثت ضرراً رهيباً جدًّا في واقع الأمَّة، خللاً هائلاً جدًّا.
- وعلى مستوى حربهم الإجرامية الصلبة، الوحشية، المدمِّرة، التي فيها الجرائم الرهيبة جدًّا.
- وحتى ما يفعلونه بشكلٍ عام من إساءات كبرى إلى الرسول "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، إلى القرآن، إلى المقدَّسات، وما يهدِّدون به هذه الأمَّة على مستوى دينها ودنياها.
مع كل ما قد حصل، لا تزال النظرة لدى الكثير من أبناء هذه الأمَّة من مختلف أطيافها: على مستوى علماء دين، البعض منهم، على مستوى أكاديميين، على مستوى سياسيين، على مستوى جماهير، أنَّه لم يحنِ الوقت بعد عندهم هم في أن يتحرَّكوا لاتِّخاذ أي موقف تجاه ما يعمله اليهود؛ بينما القرآن حرَّك النبي والمسلمين لاتِّخاذ موقف في مرحلة مبكِّرة، في مقابل استخدام كلمة لمعنى سيء.
فنجد هنا درساً مهماً جدًّا، لنعرف متى هو الوقت للتحرك في مواجهتهم، الوقت هو بهذا المستوى: أن نتحرَّك بشكلٍ مبكِّر، دون أن ننتظر حتى تحصل الكوارث والطامات الكبرى، ثم نقول: [آن الأوان لنتحرَّك لاتِّخاذ موقف].
البعض الناس يعني يصل بهم الحال إلى أنهم يقدِّمون هذه كرؤية، كرؤية، أنَّه: [يجب الانتظار حتى يتمكَّن اليهود وأعوانهم من النصارى، وكل المنافقين، إلى أن يسيطروا بشكلٍ تام على كل شيء، وأن يصلوا إلى كل منزل، وأن يحتلُّوا كل مسجد، وأن يهينوا كل شخص، وأن يحقِّقوا كل أهدافهم، ثم بعد ذلك يمكن أن نقول: آن الأوان لاتِّخاذ موقف تجاه ما يعملون]! يعني: بُعْد رهيب جدًّا وشاسع عن هذه التربية القرآنية المهمة.
نجد هنا هذا الدرس المهم جدًّا: ((يجب أن تكونوا دقيقين في التعامل معهم، ليس فقط ما يبرز من اليهود، بل ما لا يزال في أعماق أنفسهم نوايا لديهم، {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}[البقرة:104]: توقَّفوا عن استخدام هذه الكلمة تماماً، عندما يتوقَّف العرب عن استخدام تلك الكلمة بشكلٍ عام، اتركوها نهائياً، لماذا؟ ليقفل المجال على اليهودي، فلا يكون بإمكانه أن يستخدمها، إذاً ألم يكن هذا موقفاً أمام نوايا، وقدِّم التوجيه به توجيهاً حاسماً، بعده: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]؟))، يعني: في نفس الآية تأكيد، تبدو المسألة عند الكثير طبيعية: [كلمة استخدمها أولئك استخداماً سيئاً، لمعنىً سيء في أنفسهم، فيأتي الأمر بمقاطعتها نتيجةً لذلك، لماذا؟ الآخرون يستخدمونها بمعنى طبيعي، غير مسيء]، المسألة أتى فيها توجيه حاسم: ((بعده: {وَاسْمَعُوا}[البقرة : 104]، واسمعوا ويكفيكم أن تسمعوا، وقد سمعتم كيف كان الذين لا يستجيبون لهدي الله، ولا يقيِّمون الأشياء التي تقدَّم إليهم، لا تكونوا كبني إسرائيل، تقولون: [ما هي الفائدة؟ ما فائدتها؟ ما هي القيمة لها؟ نحن نستخدمها]، لا، {اسْمَعُوا}: التزموا))؛ لأن المطلوب من عبارة: {وَاسْمَعُوا}[البقرة:104] هو الالتزام العملي.
(({وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]))، يأتي أيضاً هذا الوعيد، ((للرافضين، للكافرين أنفسهم، اليهود الذين لا يزالون يستخدمون نوايا سيئة، وللرافضين منكم، الذين لا يسمعون، {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104] منكم ومنهم))، من يرفضون هذا التوجيه يعني.
((هذه مع أنها تبدو في الصورة قضية بسيطة))، قد تبدو فعلاً لدى الكثير من الناس قضية بسيطة، {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}[البقرة:104]، يعني: قاطعوا هذه المفردة واتركوا استخدامها؛ لأن اليهود يستخدمونها بمعنى سيء في أنفسهم، سيقول البعض: [لكنَّنا نستخدمها بمعنى طبيعي، بمعنى جيد، فمالنا واستخدام اليهود لها لمعنى سيء، المسألة بسيطة]، ((هذه مع أنها تبدو في الصورة قضية بسيطة، لكنها تعطي منهجاً مهماً جدًّا في الصراع مع اليهود))، وهذا ما ينبغي أن نركِّز عليه وأن نستوعبه، هذه الآية تقدِّم هذه التربية، هذه المنهجية العظيمة في الصراع مع اليهود، ((أي: هي ترسِّخ عند المسلمين حالةً على مستوى عالٍ من اليقظة، والحذر، والانتباه، واتِّخاذ موقف أمام أي شيء من اليهود، وإن كان لا يزال نيةً في أعماق أنفسهم))، يعني: حتى لو كان مجرد نوايا، ظهرت مؤشرات تكشفها، وتدل عليها؛ فالمسألة أن نبادر لاتِّخاذ موقف، ألَّا ننتظرهم حتى تحصل الكوارث والطامات الكبرى، لنقول: [آن الأوان لنتحرَّك لاتِّخاذ موقف]، بل أن نحمل هذا المستوى من اليقظة، والحذر، والانتباه، والمبادرة في اتِّخاذ المواقف العملية الاستباقية، قبل انتظار الكوارث والطامات الكبرى.
((من أين أُتِيَ العرب؟ ومن أين أُتِيَ المسلمون حتى أصبح اليهود هم الذين يدرسونهم الآن؟ من أين؟ لم يحملوا هذه الروحية التي تعطيها هذه الآية: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}[البقرة:104]، لم يعد لديهم اهتمام حتى بما يشاهدونه، بما يلمسونه، بما يحسُّونه من اليهود، لم يعد لديهم اهتمام أن يعملوا ضدهم شيئاً، ألم يفقدوا روحيةً؟ فقدوا تربيةً وجَّهت إليها هذه الآية)).
وفعلاً يعني بعد كل الذي قد حصل، وحتى في هذه المرحلة، على مدى عامين مما حصل في غزَّة، وما يعمله اليهود تجاه لبنان وما يعملونه، ما عملوه أيضاً تجاه اليمن، تجاه إيران، تجاه الأمَّة الإسلامية بشكلٍ عام، ما يعلنون عنه بشكلٍ صريح، عن نواياهم في إقامة [إسرائيل الكبرى]، في الاستهداف للمقدَّسات، بما فيها مكَّة والمدينة، في نواياهم وتوجهاتهم العملية، التي يقترن بها أعمال واضحة، أنشطة كبرى، أعمال سياسية، أعمال عسكرية، أعمال في الحرب الناعمة، المفسدة، المضلة، والتهيئة للأجواء من جوانب كثيرة، أعمال كثيرة مكشوفة وواسعة، في إطار ما يسمُّونه بـ [تغيير الشرق الأوسط، وإقامة إسرائيل الكبرى]، والسيطرة الكاملة على هذه المنطقة، واستعباد شعوبها، وإذلالها، وهناك في المقابل ماذا؟ عدم اهتمام، يشاهد الناس كوارث كبرى، جرائم رهيبة للغاية، شعوب بأكملها تُنكب من أبناء هذه الأمَّة، تكون الحالة عدم اهتمام ولا مبالاة؛ لأنهم فقدوا هذه التربية التي علَّمت المسلمين أن يتحرَّكوا بدءاً حينما استخدم اليهود مفردة بمعنى سيء في أنفسهم، ولم تسكت لهم حتى عن هذا، يعني: القرآن لم يسكت لليهود حتى في استخدام مفردة، هي أصلها مفردة عربية، استخدموها بمعنى سيء ومسيء؛ ليجعل هذه الأمَّة في مستوى متقدِّم من اتِّخاذ المواقف بشكلٍ مبادر، ومن الاهتمام والحذر واليقظة تجاه أي شيء يصدر من اليهود، من أنشطة عدائية، أو توجهات عدائية، بل حتى نوايا عدائية تكشفها مؤشرات معينة، أو دلائل معينة، هذه التربية القرآنية، هذا هو هدى الله، الذي يرتقي بالأمة إلى مستوى عالٍ جدًّا في الموقف، في اليقظة، في الاهتمام، في الانتباه، على هذا المستوى.
((لم يعد لديهم اهتمام أن يعملوا ضدهم شيئاً، إذاً ألم يفقدوا روحيةً؟ فقدوا تربيةً وجَّهت إليها هذه الآية، إذاً ترى بأنها قضية هامة، وهذا مثلما قلنا سابقاً: من الأشياء الصعبة بالنسبة للناس: القضايا التي هي في واقعها هامةٌ جدًّا جدًّا جدًّا، ولكن أمامهم طبيعية جدًّا، هذا الذي يعتبر موقفاً محرجاً جدًّا؛ لهذا كانت هذه الآية في مقدِّمة الآيات التي جاءت لتوجيه المسلمين، بعد تقديم العبرة الشاملة من خلال ما ذكره عن بني إسرائيل))؛ لأن العبرة المهمة فيما قدمه عن بني إسرائيل: أنهم لم يهتدوا بهدي الله، لم يعطوا قيمة لما يقدَّم إليهم في هدى الله؛ فوصلوا إلى أحطِّ مستوى وأسوأ نفسية، وهذا ينبِّهنا، يحذِّرنا من أن نحذر في كيفية تعاملنا مع هدى الله، فلا نتعامل بتلك الطريقة، ومنها: الاستبساط لقضايا معينة، من خلال نظرتنا القاصرة، فلا نعطيها أهمية، مع أنَّ القرآن أعطاها أهمية، تكون النتيجة التي يريد القرآن أن يربينا عليها: أن نعطي أهميةً لما أعطاه القرآن أهمية، نوجِّه اهتمامنا وفق ذلك، ولا نبتعد عن القرآن، ونفرِّط في التسليم لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" نتيجةً لتقديراتنا الخاطئة، هذا درس مهم جدًّا.
يقول أيضاً: ((عندما يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، لماذا لم يأتِ الخطاب لليهود؟ [يا أيها اليهود اسكتوا]))؛ لأن المشكلة أتت- مثلاً- من جانب اليهود، اليهود استخدموا تلك المفردة لمعنى سيء في أنفسهم، في المقابل أتى الخطاب للذين آمنوا لمقاطعة تلك المفردة، هذا فيه هدى مهم، هدىً عظيم، وتربية مهمة، ((لماذا لم يأتِ الخطاب لليهود: [يا أيها اليهود اسكتوا، أو اتركوا استخدام هذه الكلمة]؟ لأن مفتاح أن يضرَّك العدو، أن يهزمك العدو، أن يهينك العدو، هو من عندك أنت، ذلك عدوٌّ يهوديٌّ نصرانيٌّ كيفما كان، إذا كنت مستقيماً، تسير على هدي الله، على كتاب الله؛ فلن يضرك العدو، وستهزمه مهما كان، {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الفتح:22])).
هذه أيضاً قاعدة مهمة جدًّا، هذا من الأسس المهمة للغاية في مجال الصراع مع الأعداء، أن نعي هذه الحقيقة؛ لأن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو يبنينا في واقعنا لنكون أمَّةً قوية، أمَّةً عزيزة، أمَّة لها منعة في مواجهة أعدائنا، ليست في وضعية مختلة، وهشَّة، وضعيفة، وقابلة لأن يسحقها أعداؤها بكل بساطة.
نفس الالتزام بهدى الله، والسير على أساس هدى الله، هو يبني الأمَّة، يبنيها في وعيها، يبنيها في واقعها، يبنيها على هذا الأساس: لتكون قويةً، عزيزةً، في منعة، تتحرَّك وهي مستفيدة من كلِّ عناصر القوى المعنوية والمادية، ومحصَّنة من أعدائها، ومتخلِّصةً من عوامل الضعف والهوان، فتكون في وضعية قوية جدًّا، وتحظى بمعونة الله، بالنصر من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن هدى الله هو يخلِّصنا من كل أسباب الضعف، وعوامل الضعف والضعة، ويهدينا إلى كل عوامل القوَّة، وأسبابها، وما يبنينا لنكون أمَّةً قوية بما تعنيه الكلمة، في كل المجالات، وهذا يجعل واقع الأمَّة محصَّناً بالوعي، محصَّناً بالواقع القوي المتماسك، أمام هجمات أعدائها واستهدافهم، فما يأتي منهم لا يمكن أن يضرَّ هذه الأمة؛ لأنهم يركِّزون بالدرجة الأولى على الاختراق للأمَّة، وعلى أن يفقدوها عناصر القوَّة، ويسلبوا منها عناصر القوَّة، ويدفعوا بها إلى كل ما يضعفها، إلى كل ما يجعل منها أمَّةً في وضعيةٍ هشَّة، وضعية قابلة للتلاشي، للانكسار، للتحطُّم، للانهيار، للضعة، للسيطرة، قابلة لأن يسيطروا عليها بكل بساطة.
فهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" إذا سرنا عليه، هو يبنينا، لنكون أمَّةً محصَّنةً، قويةً، في منعه، وبتأييد من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ونحظى بالنصر منه "جَلَّ شَأنُهُ، فنكون في واقع قوي، إذا واجهنا الأعداء ينهاروا، لكن يحصلوا الخلل من الداخل، الخلل الخطير جدًّا.
إذاً هذه المسألة ذات أهمية كبرى، أن نعي أهميتها في الصراع مع اليهود: أن نعي أهمية واقعنا الداخلي في كيف نحصِّنه، كيف نبنيه بناءً قرآنياً ليكون بناءً قوياً، متماسكاً، كالبنيان المرصوص، ولا يكون وضعيةً هشَّة، قابلة للانهيار، والتلاشي، والسقوط.
يقول هنا أيضاً: ((إقفال المجالات التي فيها ثغراتٌ للأعداء، تأتي من عند المؤمنين))، في البداية: أهمية الاستقامة على هدى الله، لتكون الأمَّة في وضعية قوية ومحصَّنة، وهذا يجعلها في وضعية لا يضرها الأعداء، ليست وضعية متأثِّرة بكل بساطة بأي شيء يأتي من الأعداء، الله قال: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الفتح:22]، وهذا تأكيد من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، حينما تكون الأمَّة في الوضعية التي تتحرَّك فيها على أساس هدى الله، وضعية محصَّنة وقوية، لكن الوضعية المختلة، الوضعية البعيدة عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، تكون وضعية هشَّة، مفكَّكة، ينقصها الوعي، ينقصها الاهتمامات الصحيحة، العناية بكل عوامل القوَّة؛ ولهذا أي شيء يأتي من جانب الأعداء، يأتي إلى وضعية يترك فيها الأثر البالغ السيء جدًّا في واقع الناس، وهذا شيء ملحوظ في واقع أمَّتنا الإسلامية وشعوبها، يعني: شعب معيَّن- مثلاً- يكفي أحياناً إطلاق دعاية مكذوبة، تافهة، سخيفة جدًّا، لتثير حالة من الإرباك، والجدل، والفوضى، والاضطراب، والتشويش في واقع أمَّة كاملة، أو شعب كامل، هذا يعبِّر عن ماذا؟ عن حالة متدنية جدًّا من الوعي، بل أصبحت الوضعية بالنسبة للعرب والمسلمين، أنَّ كل شيءٍ يأتي من جهة أعدائهم، بدلاً من أن يُقَابَل بموقف قوي وصحيح لمواجهته، يثير هو إشكالية داخلية في واقع الأمَّة، تختلف عليه، تدخل في حالة من التناقض، والتباين، والتنازع، والتراشق، فيما ينبغي تجاه ذلك، هذا في ما يفرض نفسه أحياناً.
فالوضعية المختلة، المنعدم فيها الوعي، المنعدمة فيها المسؤولية، البعيدة عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، هي وضعية قابلة للتأثر إلى أسوأ مستوى، بأيِّ شيء يأتي من مؤامرات الأعداء:
- مؤامرات- مثلاً- في الوضع الاقتصادي، وتترك أثرها البالغ.
- مؤامرات في الوضع السياسي، وتكون لها نتائج قاسية جدًّا.
- أنشطة على مستوى الجانب الإعلامي، وتترك أثرها السيء جدًّا على مستوى الرأي العام.
وضعية متقبِّلة ومتأثِّرة جدًّا بأيِّ شيء يأتي من جانب الأعداء، ليست محصَّنةً، ليست منيعة، ليست قوية، هذه حالة بعيدة عن هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من مظاهر عدم الاهتداء بهدى الله؛ وبالتالي تكون الأمَّة في وضعية مهيَّأة للأعداء، يجعل منها الأعداء ألعوبة، بكل بساطة، يكفي أحياناً كلمة يطلقها اليهود عبر بوقٍ من أبواقهم، أو شائعة معينة، أو دعاية معينة، وأثارت بلبلةً كبيرة، وإشكالات كثيرة، ومشاحنة شديدة، وبغضاء، واضطراب هائل، وأحياناً أي استهداف بشكل- كما قلنا- اقتصادي، أو سياسي... أو بأي شكلٍ من الأشكال، يُحدِث تأثيراً كبيراً، ويهز أمَّة إلى أسوأ مستوى؛ لأنها أمَّة ابتعدت عن هدى الله، ولم تعد محصَّنة، وابتعدت عن عناصر القوَّة، وفقدت الوعي، وفقدت زكاء النفوس، وأصبحت أشبه ما يكون بالجسد المريض الذي تهاجمه الجراثيم، وتفتك به؛ لأنه فَقَد مناعته؛ وبالتالي أصبح قابلاً للتأثر بكل بساطة، وهذا هو الحال، حال المسلمين في مقابل هجمة اليهود.
((إقفال المجالات التي فيها ثغرات للأعداء تأتي من عند المؤمنين))، وهذا أيضاً من القواعد المهمة، التي ينبغي الاستيعاب لها؛ لأن اليهود يستفيدون أصلاً في مؤامراتهم ضد هذه الأمَّة، من الثغرات التي يجدونها في داخل هذه الأمَّة، في أيِّ مجال من المجالات، مثلاً: في الوضع الأمني، مثلاً: في المجال الاقتصادي، في المجال السياسي، المجال التثقيفي والتعليمي... في كل المجالات، هم يبحثون عن الثغرات، وينفذون منها؛ لأنهم يركِّزون بشكل كبير جدًّا على الوضع الداخلي للأمَّة، والإستراتيجية الأساسية لديهم: الإضعاف للأمَّة، وإفقادها كل عناصر القوَّة؛ ليسهل السيطرة عليها، والضربة القاضية لها.
إذاً ففي مواجهة اليهود، هناك اهتمامات وأعمال كثيرة في واقعنا الداخلي، تركِّز على تشخيص الثغرات التي ينفذ منها الأعداء في كل مجال من المجالات؛ لسد تلك الثغرات، ولتحصين الوضع الداخلي لنا؛ لنبقى في واقعٍ قوي، أمَّة محصَّنة، وأمَّة قوية، وأمَّة تسد الثغرات التي ينفذ من خلالها أولئك الأعداء.
((ولهذا حاولنا أن نقدِّم هذه الآية فيما يتعلَّق بالجانب الأمني، الجانب الأمني، عندما نقول: [نفتشك] أنت الأخ الصديق الموثوق به بنسبة 100% ، نفتشك، أو نقول: تكون متيقظاً، تكون منتبهاً، كل الإجراءات التي تمثل إقفال مجال، يجب أن تكون أنت أول من يعملها، المسألة هي إقفال مجالات، إقفال منافذ))، وهذا أيضاً- كما قلنا- من الأسس المهمة جدًّا في مجال الصراع معهم: العناية بإقفال المجالات، التي فيها ثغرات ينفذون من خلالها إلى ما فيه ضرر بهذه الأمَّة، في أي مستوى، يعني: مثلاً بشكلٍ عام، على حسب المجالات، وأيضاً في مجالات العمل، هناك مجالات عمل ذات أهمية كبيرة جدًّا، الأعداء هم يركِّزون على الوضعية العامة للأمَّة، للشعوب نفسها، وكذلك يركِّزون أيضاً بمزيدٍ من التركيز على كلِّ مجالات العمل ذات الأهمية الكبيرة في المواجهة معهم، فيحاولون أن يخترقوها، وأشكال الاختراق واسعة عندهم:
- جزءٌ منها يدخل في عملية الاختراق الأمني، الهادف إلى التدمير والتخريب.
- جزءٌ منها يدخل حتى في عملية التضليل والتتويه.
- جزءٌ منها يدخل في إثارة العوائق، صناعة العوائق، والأمور التي تشوش، أو تعيق نجاح أي عمل.
أساليب كثيرة يشتغلون عليها، ومسارات متعدِّدة يعملون عليها، كلها تفشل أمام الوعي، الذي يبنى عليه إجراءات عملية، يدرك الإنسان أهميتها، ويعي أهمية الالتزام بها، وأهمية المبادرة إليها؛ وبالتالي نحصِّن وضعنا الداخلي من كلِّ أشكال الاختراق، مع الوعي بكل ما يركِّز عليه الأعداء، ومع تشخيص الثغرات، وتحديد ما يركِّز عليه أولئك الأعداء، وهذا جزءٌ مما ينبغي أن يدخل في الأنشطة العامة، سواءً على مستوى الجهات التي هي معنية بهذه الأمور، مثلاً: الجانب الأمني فيما يعنيه، إرشادات أمنية، وإجراءات أمنية، وفي الوعي العام، في الالتزام العام، هناك أشياء يحتاج الناس فيها إلى التزام عام، حتى على مستوى الجانب الأمني.
نستكمل- إن شاء الله- حول هذه النقطة، وما هو استكمال للدرس نفسه على ضوء هذه الآية المباركة، وعلى ملخصات مهمة من خلالها في المحاضرة القادمة إن شاء الله تعالى.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛.
سبأ

