السياسية || محمد محسن الجوهري*

القرآن كتاب سياسي يواكب العصر ويكشف الحقائق الراهنة قبل حدوثها بألفٍ وأربعمائة سنة، والأهم أنه يحدد لنا بوصلة العدو ويكشف لنا حتى مشاعره ومخططاته تجاهنا، وكيف أن هذا العدو لن يرضى عنا حتى وإن قبلنا به وطبعنا معه وتنازلنا له بثرواتنا كلها، ثم يقدم لنا الحلول لردع العدو قبل أن يتحرك لضرب الأمة ويستبيح الحرث والنسل.

ومن العجيب، بل ومن الغباء، أن تسقط الأمة وهي تملك هذا الكم من الحقائق الواقعة والمستقبلية، وبيدها كل الوسائل لأن تكون المهيمنة على أعدائها، وهذا الواقع المرير نتاج التخلي عن كتاب الله واستبداله بمناهج أخرى هي من اجتهادات البشر، ولا تحمل في طياتها أي هدى أو آيات تنبئنا عن الوقائع التي أمامنا، بل تدجّن الناس لعدوهم وتخلق العداوات فيما بينهم.

وعندما تخلى العرب عن كتابهم شقيت البشرية كلها، وهي اليوم تعاني من مؤامرات الأمة نفسها التي حذرنا الله منها؛ فالتصنيف الإلهي يقسم البشر إلى قسمين: أهل الكتاب والأميون، ومن الأخيرين اصطفى الله نبياً وبعث بلسانه كتاباً خالداً لينقذ البشرية من شر الفئة الأولى التي -بدورها- لا تملك إلا ثقافة الحقد والكراهية وتصدرها بين البشر باسم التحضر والرقي.

وكان المطلوب من الأميين، بدايةً من العرب، أن يتوحدوا في مواجهة المعسكر الشيطاني، وأن يكونوا سبباً في إنقاذ العالم من شرور أهل الكتاب، ولأنهم لم يفعلوا ذلك وتخلوا عن واجبهم المقدس، سقطت البشرية في وحل الاستعمار والاستعباد الجماعي للشعوب والأمم، وما نراه اليوم، وما رأته الأمم بالأمس بحق الهنود الحمر والسود وغيرهم، هو مسؤولية العرب قبل الغرب؛ فقد كان بيدهم إنقاذ الأمم جميعاً من الشر الكتابي لو أنهم أدركوا الحق وتحركوا لنصرته بدلاً من التحرك بدافع المصالح وجني الثروات.

ولم يكن تراجع الأمة سببه قلة الموارد أو ضعف الإمكانات، بل كان نتيجة الانفصال التدريجي عن المنهج القرآني الذي صنع من العرب أمة قادت العالم بالعلم والعدل والهيبة. فحين كان القرآن مرجع القرار والسياسة والاجتماع، كانت الأمة عصية على الاختراق، تدرك عدوها وتفهم طبيعة الصراع من حولها، أما حين تحولت العلاقة مع القرآن إلى طقوس شكلية ومظاهر احتفالية، فقدت الأمة وعيها بذاتها وبأعدائها، وأصبحت ساحاتها مفتوحة لكل مشاريع الهيمنة والتفكيك، حتى صار الأجنبي يتحكم في اقتصادها وإعلامها وثقافتها، ويعيد تشكيل وعي أجيالها بما يخدم مصالحه ونفوذه.
وما يحدث اليوم من حروب وتمزيق وتجويع وإشعال للفتن بين أبناء الأمة ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب المشروع القرآني الجامع الذي يوحد الشعوب على أساس الحق والكرامة والاستقلال. فالأعداء يدركون خطورة عودة الأمة إلى كتابها أكثر مما يدرك كثير من أبنائها، لأن القرآن لا يصنع أفراداً مستسلمين، بل يصنع أمة حية تمتلك الوعي والإرادة والقدرة على المواجهة. ولهذا تُحارب كل محاولة لإحياء الوعي القرآني الحقيقي، وتُستبدل به مشاريع سطحية أو قومية أو مذهبية تُبقي الأمة غارقة في صراعاتها الداخلية، بينما يستمر أعداؤها في إحكام السيطرة على مقدراتها وثرواتها ومستقبل أجيالها.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب