السياسية: || محمد محسن الجوهري*

الحرب بالنسبة للكيانين الأمريكي والإسرائيلي هي ثقافة يعيشونها، ويُنشّئون أجيالهم عليها، ويستعدون لها حتى في تفاصيلها الصغيرة؛ ولكنها بمجرد أن تحدث تتغير الموازين، فالطرفان لا يقويان على الحرب المباشرة إلا إذا كانت خاطفة وسريعة، وبعد أن يُنهكوا الخصم بعقوبات ومؤامرات داخلية، وهذا كله مؤشر ضعف وليس مؤشر قوة، ويبشر بتحرير فلسطين بمجرد أن تتحول الحرب إلى واقع دائم.

ومن يعرف تاريخ الحروب الصهيو-أمريكية في المنطقة والعالم، يدرك بأن العقيدة العسكرية لكل من واشنطن وتل أبيب تتبلور حول مفهوم "الحرب العقيمة من الألم"؛ أي أنهم يسعون جاهدين لتحويل ساحة المعركة إلى "مختبر تقني" تُدار فيه العمليات بضغطة زر من غرف مكيفة تبعد آلاف الأميال أو خلف جدران محصنة، هرباً من حقيقة أن جبهاتهم الداخلية هي جبهات "رفاهية ورخوة"، لا تملك القدرة ولا النفس الطويل لاستيعاب تدفق التوابيت أو تحمل تبعات "حرب الشوارع" والالتحام المباشر.

تُبنى "المجتمعات الرخوة" في المنظومة الغربية والصهيونية على عقد اجتماعي جوهره "الأمن مقابل الرفاه"؛ فالفرد في هذه المجتمعات هو "مستهلك" للدولة، ينتظر منها الحماية المطلقة والرفاهية المستمرة. وهذا التركيب يجعل من "الخسارة البشرية" صدمة كهربائية تضرب كيان الدولة بأكمله؛ فالمواطن الذي اعتاد على حياة "الضمان الاجتماعي" والتكنولوجيا لا يتقبل فكرة تحول ابنه إلى مجرد رقم في قائمة قتلى حرب طويلة الأمد. وهذا الرعب من الخسائر البشرية يحول الموت إلى سلاح سياسي فتاك قادر على هز العروش وإسقاط الحكومات، مما يضطرهم دائماً للمراهنة على "الحروب الخاطفة" التي تنتهي قبل أن يشعر بها المواطن المستهلك.

تعدّ الضربة الأخيرة التي وجهها الكيان الصهيوني لإيران تجسيداً حياً لهذه الاستراتيجية القائمة على "الاستعراض ثم الارتباك اللاحق". ففي هذه الجولة، حاول الكيان تسويق العملية بوصفها "ضربة حاسمة" تهدف إلى استعادة الردع المفقود، وبالفعل بدأت الماكينة الإعلامية والسياسية في التفاخر بالوصول إلى العمق الإيراني والتباهي بالقدرة التدميرية؛ لكن، وبمجرد أن وُضع الكيان أمام حتمية "الرد الإيراني المضاد"، سقط قناع القوة الصلبة وظهرت ملامح الذعر الاستراتيجي، وظهرت معها حقيقة ثابتة وهي أن الإعلام مصدر القوة الرئيسي لدى الغرب، بينما المواجهة العسكرية هي نقطة ضعف قاتلة قد تودي بهم إلى التهلكة.

إن الحرب المتبادلة لو استمرت لسنوات فستنال من القوتين، وستؤدي إلى تفكك الكيان الصهيوني من الداخل؛ لأن "المجتمع الرخو" الذي جاء من أجل الرفاهية لن يقبل العيش في ثكنة عسكرية مفتوحة لسنوات، مما يؤدي إلى رحيل النخب الفكرية والتقنية (أصحاب الجوازات المزدوجة)، وهو ما يعني نهاية المشروع الصهيوني وظيفياً.

كما أن تآكل هيبة الردع عبر استطالة أمد الحرب يمثل "مقتلاً استراتيجياً" للكيان الصهيوني الذي يقتات على أسطورة الردع المطلق؛ وفي حال فقد القدرة على الرد وخسر هيبته العسكرية، فإن حلفاء الأمس سينقلبون عليه في أي لحظة، وسيتسابق كل طرف لإثبات قوته وبأن جيشه ساهم في تحرير فلسطين. وقد نرى حتى بعض الجيوش الرسمية تتفاخر بأن لكتائبها الرمزية دوراً محورياً في فتح فلسطين، وهذه سنة في الحياة؛ فالأمور تتغير ولا تبقى على حالها، ومن يمتلك اليوم السردية الأقوى إعلامياً قد يخسرها غداً عندما يصطدم جيشه بصخرة الواقع.

باختصار، فإن الحرب الطويلة هي العملية التي يتم فيها "تجريد الكيان من هيبته" قطعة قطعة. وبمجرد أن يرى المحيط الجغرافي أن هذا "البعبع" يتألم، ويستنزف، ويطلب النجدة، فإن موازين القوى تتغير جذرياً؛ لأن "النفسية" التي كانت تحكم الصراع قد تحررت من قيد الخوف، وبدأت تخطط للحظة الانقضاض النهائي على كيانٍ لم يعد يقوى حتى على حماية نفسه، فضلاً عن إرهاب الآخرين.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب