السياسية - وكالات|| تقرير||

في غرفةٍ متضرّرة من منزله الذي نجا جزئيًا من حرب الإبادة على قطاع غزة، يجلس المُسن الفلسطيني عبد الرحمن محمد أبو شمالة، كمن يحمل على كتفيه عمرًا كاملًا من الوجع، لا يميّز فيه بين ذاكرةٍ بعيدة بدأت عام 1948، وواقعٍ حاضر يعيد إنتاج الألم ذاته بأدق تفاصيله.

بصوتٍ خافت تتكسّر فيه السنين، يستعيد أبو شمالة فصول نكبته الأولى، حين كان طفلًا لم يتجاوز الثالثة من عمره، يوم هجّرت عائلته من قريتها على يد العصابات الصهيونية.

يقول لـ صحيفة (فلسطين): "خرجنا من أرضنا بلا شيء.. كنا نسير على أقدامنا، لا نملك وسيلة نقل ولا زادًا يكفي الطريق".

كانت الرحلة الأولى، كما يروي، أقسى من أن تُمحى من الذاكرة. أب يحمل لحافًا واحدًا وقليلًا من القمح، وأم تحتضن طفلها ورضيعة لا تتجاوز أسابيعها الأولى، فيما الطريق يمتد طويلًا بين الخوف والجوع والشتات.

ثم تتوقف الكلمات عند لحظةٍ لا تزال تجرح ذاكرته حتى اليوم: "بعد تعبٍ شديد، اضطر والداي لترك أختي الصغيرة على جانب الطريق".

لم تنتهِ الرحلة عند هذا الحد. فقد وصلت العائلة إلى خان يونس، التي كانت حينها مدينةً فقيرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ليبدأ فصلٌ جديد من اللجوء داخل خيمة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار، عرفها اللاجئون آنذاك باسم "الباراشوت". هناك، كما يقول، كان كل شيء هشًّا: المأوى، الطعام، وحتى الأمان.

ويستعيد مشهد الرياح التي اقتلعت الخيمة في إحدى الليالي، تاركة العائلة في العراء من جديد، ثم رحلة والدته اليومية الطويلة لجلب الماء من عبسان، التي كانت تمتد لعشرات الكيلومترات من أجل جرّة صغيرة.

لكن ما ظنه أبو شمالة صفحةً طُويت مع الزمن، عاد اليوم ليُفتح من جديد.

فبعد 78 عامًا على النكبة، وجد نفسه يعيش نزوحًا آخر تحت القصف خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث تنقّلت عائلته أكثر من مرة بحثًا عن النجاة، قبل أن تستقر في بقايا منزلٍ متضرر لم يَعُد صالحًا للحياة الطبيعية.

يقول بحزنٍ ثقيل: "عشنا التعب والجوع والخوف من جديد.. كأن النكبة لم تنتهِ أبدًا".

بين نكبةٍ أولى بدأت بالتهجير، ونكبةٍ ثانية تتجدد بالقصف والنزوح، تختصر حكاية عبد الرحمن أبو شمالة سيرة شعبٍ كامل، ما زال يعيش بين ذاكرة الأرض المفقودة وواقع البقاء تحت النار.

قصةٌ لا تُروى كذكرى فقط، بل كجرحٍ مفتوح يعيد طرح السؤال ذاته: كم مرة يمكن للإنسان أن يُهجَّر قبل أن يصبح الوطن مجرد حلمٍ مؤجل؟