السياسية || محمد محسن الجوهري*

الوطنية هي أن تعيش بكرامة على أرضك، وأن تبذل الغالي والنفيس حتى تحافظ على الأمرين معاً: الكرامة والوطن؛ حيث لا يكون أحدهما منفصلاً عن الآخر. وعندما لا تكون صاحب القرار فأنت خائن، وإن كنت أكثر من يزايد على الوطن والوطنية، وهذا هو حال مرتزقة اليمن قاطبة، بدايةً من المرتزق رشاد العليمي؛ فقرار بقائه في السلطة من عدمه بيد الرياض، ولها الحق الكامل في إقالته كما أقالت أسلافه "الدنبوع" وعفاش؛ لأنها -ببساطة- هي من جاءت بهم إلى السلطة وكانوا لديها مجرد موظفين وحسب.

وفي "عفاش" عبرة كبيرة للخونة، فقد وصل إلى المنصب نظير دوره في اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، ورحل عن المنصب بقرارٍ سعودي بعد أن أجبرته الرياض على توقيع المبادرة الخليجية مكرهاً، ولو كان مخيراً في أمره ما خرج منها أبداً، ولكنه ارتضى لنفسه العيش بلا كرامة في ظل الهيمنة السعودية على سيادة الوطن.

ولو افترضنا أن "عفاش" كان وطنياً، وأنه وصل إلى السلطة بجدارة وبشرف، عندها لن يقبل بالوصاية الأجنبية على البلاد؛ لأن ذلك انتقاص للسيادة كسيادة، إضافة إلى أن القرار سيكون بيد غيره، وهذا في حد ذاته كارثة حتى على أمنه الشخصي. وحادثة "النهدين" تؤكد أن دولته كانت مغيبة عما يحاك ضده عام 2011، لأن مسؤوليه الأمنيين لا يتلقون أوامرهم منه، بل من الرياض وغيرها، واستجابوا لتوجيهاتها بتصفيته عندما رفض التوقيع على مبادرتها والخروج طائعاً من السلطة.

وبالحديث عن المسؤولين الأمنيين في زمن "عفاش"، فإن وزير الداخلية حينها كان رشاد العليمي، وقد وصل إلى منصبه اليوم نظير تآمره على "عفاش" بالأمس، وسيخسر المنصب بالطريقة نفسها؛ فالسلطة الفعلية ليست بيده وإنما بيد من جاء به إلى السلطة ليكون وسيلة لتبرير الهيمنة السعودية، على غرار "حكومة فيشي" إبان الغزو النازي لفرنسا، ولا نرى في ذلك أي معنى للوطن والوطنية، فذلك هو الخيانة بعينها.

وبما أن "العفافيش" هم خير من يتاجر بالوطن، فإن وطنيتهم المزعومة وبالٌ عليهم؛ فـ "عفاش" سلم السلطة عام 2011 مقابل أن تسلم مصالحه ومستحقاته المالية التي يقبضها من الرياض، وحكم بذلك على أنصاره بالإعدام ولمؤيديه بالهلاك الجماعي. ولولا ثورة 21 سبتمبر لكان حكم الإعدام قد وصل إليه شخصياً، فقد وجد حزب الإصلاح في شراكة الدولة فرصة لتصفية رموز النظام السابق، وقد تكفلت الرياض برعاية الاغتيالات عبر دفاعها عن شرعيتهم المزعومة وتمويلها لحكومة باسندوه العميلة لتبقى في السلطة، ولتبقى معها صنعاء ساحة إعدام مفتوحة.

والسيناريو يتكرر اليوم في الساحل الغربي؛ فطارق عفاش، عميل الإمارات سابقاً، انضم إلى معسكر الرياض ليقبل ضمنياً بشرعية حزب الإصلاح على تشكيلاته المسلحة، وبالتالي هو حكم عليهم بالإعدام كما فعل عمه من قبل؛ فالشراكة مع الإصلاح هي انتحارٌ حقيقي، ولو كان القرار بيد "عفاش" لما سلم السلطة في الحالتين، ولكنها الوطنية الزائفة التي تجعل من أتباعها دمىً بيد العدو.

في المحصلة، يثبت المشهد في الساحل الغربي أن الرهان على القوى الخارجية هو انتحار سياسي مؤجل؛ فالدول التي تصنع 'الموظفين' بلقب رؤساء، هي ذاتها التي تتخلص منهم عند انتهاء صلاحية أدوارهم. وتجربة عفاش والسيناريو المتكرر مع العليمي وطارق، تؤكد أن من يفرط في كرامة وطنه يفرط بالضرورة في أمنه الشخصي ومستقبله السياسي.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب