إيران وتهديدها الوجودي على الصهاينة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
هذا ما تعلنه هيئة البث الإسرائيلية على مدار الساعة، والتي عادةً ما تنقل الأخبار الرسمية للكيان وتحدد سياساته العامة ومواقفه من الأعداء والحلفاء. وبمجرد أن تتبنى هيئة البث سردية إعلامية، يتبناها الإعلام الخليجي بمختلف مسمياته ومشاربه ومموليه؛ ثم يتحول الخطاب إلى لغة دينية يتحدث بها كبار ما يُسمى بـ"هيئة كبار العلماء" في السعودية، وغيرهم من الأبواق كالقرضاوي والقرني والعفاسي.
وهذا يؤكد أن المعركة واحدة، وأن الجميع بين فريقين لا أكثر: إما مع الكيان أو ضده. وأن إيران اختارت أن تكون على رأس المعسكر المناهض للصهيونية، وذلك سبب العداء لها من الأنظمة العربية التي توصف بالتبعية، وأولها الرياض، ثم الإمارات وقطر. ولا صحة لما يدور عن مشروع عربي مستقل تتزعمه هذه الأنظمة، فهي تحت أقدام الصهيونية، ومجبرة أن تحذو حذوهم في كل خطوة.
وبالحديث عن "هيئة البث الإسرائيلية"، فهي لسان حال الكيان ومصدر رسمي للمواقف المعبرة عنه، وهي في الغالب من يكشف لنا حقيقة الأنظمة المطبعة؛ ومؤخراً كشفت عن زيارات متبادلة مع وفود خليجية أثناء العدوان على الجمهورية الإسلامية. وأمام مثل هذه التصريحات، نجد الأنظمة الخليجية تعجز عن الرد أو تفنيد الرواية الإسرائيلية. وحتى الإساءات الصهيونية المتكررة ضد الأنظمة الخليجية تبقى محل تجاهل، بخلاف ما يبديه أولئك من مواقف متشنجة ضد إيران ومحور المقاومة؛ لأنها فقط تتواءم مع السياسة الصهيونية.
وقد كشف العدوان الأخير على إيران أن تلك الأنظمة، رغم تبعيتها، عاجزة كلياً عندما يتعلق الأمر بالمواجهة العسكرية؛ أي أن الدول الخليجية تساند الكيان بالحرب الإعلامية فقط دون أن تنخرط معه في القتال. وهذا لا يعني أنها ترغب في السلم وحسن الجوار مع محور المقاومة، بل يعني عجزها التام وضعفها العسكري، وأنها لا تعني شيئاً إذا ما قورنت قدراتها بقدرات الحرس الثوري الذي أشبعهم ضرباً خلال أربعين يوماً من الحرب.
أما عن الرهان الخليجي على الحماية الأمريكية فقد أثبت هو الآخر فشله قبل سنوات يوم عجزت واشنطن عن حماية الرياض وأبوظبي من الهجمات اليمنية رغم فارق الإمكانات بين صنعاء وطهران، وكان الأجدر بالنظامين الخليجيين أن يقرا بالهزيمة وأن الصنم الأمريكي وجيشه أعجز من جيوشهما الفاشلة قبل الدخول في معركة مفتوحة مع إيران وهي التي تملك كماً هائلاً من الصواريخ البالستية القادرة على إعادة المنطقة إلى عصر ما قبل التاريخ.
وحتى الحديث عن اتفاقٍ إيراني أمريكي وشيك، هو في حد ذاته إعلان استسلام صريح من واشنطن، ولو كانت تملك الحسم لما قبلت بوقف الحرب، وهو الأمر الذي تجلى مسبقاً في عدوانها على اليمن، فترامب الذي بادر إلى العدوان هو نفسه من بادر إلى وقفه، تاركاً الكيان يواجه مصيره منفرداً في البحر الأحمر، في إجراء غير مسبوق في تاريخ الصهيونية العالمية، وهذا يؤكد أن ترامب -في الأخير- سيقدم على خطوات مماثلة مع الكيان حتى لو عاد إلى خيار الحرب مرة أخرى خوفاً مما تبقى من ملفات إبستين.
إن المشهد الإقليمي اليوم لا يترك مجالاً للمواربة؛ فقد سقطت الأقنعة وانكشفت حقيقة الارتهان الذي تعيشه هذه الأنظمة، ولم يعد الرهان على الصهاينة يمنح الحماية للأنظمة العميلة ولا حل لها إلا أن بالتحرر من التبعية للغرب وأن تمتلك قرارها السيادي والاعتراف بموازين القوى الجديدة التي فرضتها المقاومة. فقد أثبتت الأيام أن من لا يملك قراره السياسي لا يملك مستقبله، وأن الانحياز لمشروع الهيمنة الصهيونية ليس سوى رحلةٍ نحو حافة الهاوية، حيث ستجد هذه الأنظمة نفسها وحيدةً في مواجهة متغيراتٍ لا ترحم الضعفاء، ولا تغفر لمن خانوا بوصلة شعوبهم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

