كرة القدم تفكك الأساطير القومية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
بعد نحو قرن من انطلاق النسخة الأولى من كأس العالم والتي أقيمت في الأوروغواي سنة 1930، وكان الهدف منها تعزيز الهوية القومية في العالم والتشجيع على سياسة الحدود وإبقاء الأمم الضعيفة في حدودها الجغرافية، تحولت كرة القدم اليوم إلى وسيلة لكسر الهوية القومية، وباتت تعبر عن مفاهيم أخرى تجارية تحول فيها اللاعبون إلى وسائل تخدم الأقوى أو من يدفع أكثر.
وليس بالضرورة أن يكون هذا الأمر سلبياً فكسر الحدود بين الأمم من الأمور الإيجابية التي يحبذها الجميع خاصة الشعوب المضطهدة والمحصورة داخل حدود قومية معينة، كما أنها تكشف التناقض الكبير للرأسمالية الغربية التي ترفض اليوم سياسة التوطين على الأراضي الأمريكية لكنها تريد للثروات العالمية أن تبقى محصورة على الرأسمال الأمريكي.
وبحسب الإعلام الغربي فإن هنالك ثمانية لاعبين أشقاء يشاركون في منتخباتٍ مختلفة، كما أن هناك أيضاً 13 آخرون يلعبون في منتخبات جديدة غير تلك التي ابتدؤا فيها مشوارهم الرياضي؛ فقد فرضت كرة القدم، واقعاً جديداً يفكك مفاهيم التعصب القومي التقليدي. ونجحت التعديلات القانونية التي أقرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في سبتمبر 2020، في تمكين اللاعبين من تغيير منتخباتهم الوطنية، وهي لحظة فارقة في تاريخ "سوسيولوجيا الرياضة".
لقد كان المفهوم التقليدي للهوية القومية يرتكز على مبدأ "النقاء"؛ حيث يُنظر إلى اللاعب المهاجر أو صاحب الجنسية المزدوجة بريبة، وتُعتبر خيانته لمنتخب النشأة "خروجاً عن الملة القومية". إلا أن النجاحات التي حققتها منتخبات استثمرت في المواهب المهاجرة – وعلى رأسها المغرب الذي خاض معارك قانونية تاريخية أمام محكمة "كاس" لتمهيد هذا الطريق – أثبتت أن الهوية هي "خيار" وليست "قدراً".
عندما نرى لاعباً مثل إبراهيم دياز يختار تمثيل المغرب، أو حسام عوار يختار الجزائر، فإننا نشهد تحولاً في العقلية الجمعية. لقد أصبح الجمهور يتقبل "الانتماء المتعدد" كقيمة إيجابية تثري المنتخب، بدلاً من اعتبارها "ولاءً منقوصاً".
وهذا التحول يعكس تآكلاً تدريجياً للتعصب السلبي، ولم تعد المنتخبات الوطنية سجينة للأطر التقليدية أو النطاقات الضيقة. ومن خلال التعديلات القانونية التي سمحت للاعبين بتمثيل دولهم الأصلية، أصبحت المنتخبات كيانات "عابرة للقارات"، تنجح في تجميع شتات المهاجرين وصهر طاقاتهم في كتلة وطنية متجانسة. وهذا التحول يعيد تشكيل مفهوم الانتماء، ويجعل من الهوية الرياضية مساحة مرنة تتجاوز التعصب القومي، وتؤسس لنموذج جديد من الوحدة الوطنية الإنسانية.
والدور اليوم على دول الخليج التي لا تزال تعيش في عصور الظلام رغم حجم الثروات التي تمتلكها، فهي تحاسب مواطنيها على أصول أجدادهم الأوائل وتسقط عنهم جنسياتهم وتطردهم من أرضهم وديارهم، وفي مفارقة أخلاقية وسياسية مثيرة للجدل، تتبنى هذه الدول في الوقت نفسه سياسة "الاستقطاب الانتقائي". فهي تسعى بكل ثقلها المالي لاستجداء الكفاءات العالمية، والأيادي العاملة الماهرة، ونجوم الرياضة والفن، بهدف تعزيز هويتها القومية وتلميع صورتها الدولية.
وهذا الانفصام يعكس سعياً محموماً لبناء "هوية مصطنعة" تعتمد على استيراد القيمة من الخارج، بينما تُهدر الكرامة الوطنية للداخل عبر سياسات الإقصاء والتطهير القومي التي تتجاهل، بسخرية مؤلمة، أن الهوية الحقيقية تُبنى على العدالة والمواطنة المتساوية، لا على صفقات التوطين المؤقت أو إقصاء أصحاب الحق التاريخي.
ولولا التجنيس لما وصلت الفرق الخليجية إلى المونديال ولما حققت لقباً واحداً في تاريخها، فنجوم من أمثال ماجد عبدالله وسامي الجابر وخوخي بوعلام وأكرم عفيفي وغيرهم هم السر وراء وجود كرة قدم خليجية، ومن العار أن تكافئ الأنظمة الخليجية أبناءهم لاحقاً بالطرد وسحب الجنسيات بعد أن تستغني عن خدمات آبائهم وتتجاهل عطاءهم الكبير يوم كانوا السفراء الفعليين لتبييض الأنظمة وسمعتها المتآكلة.
لقد أضحت كرة القدم مختبراً حياً لتحولات الهوية في العالم المعاصر. وبينما نجحت التعديلات القانونية في تحرير اللاعب من قيود "الجنسية الواحدة" وفتحت آفاقاً لكتل وطنية عابرة للقارات، لا تزال تبرز في المقابل تناقضات حادة، خاصة في دول الخليج التي تحاول بناء هوية "مستوردة" ومؤقتة وعلى حساب حقوق مواطنيها التاريخية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

