السياســـية - وكالات:



قبل ساعات قليلة فقط من دخولها امتحان الثانوية العامة، كانت رغد عاشور تحمل أحلامها الصغيرة وكثيراً من الأمل، تبحث بين شوارع غزة المدمرة عن مكان يوفر خدمة الإنترنت لتقديم امتحانها. كانت تظن أن الطريق الذي تسلكه يقودها نحو المستقبل، لكن صاروخاً صهيونياً سبقها إليه، ليحوّل رحلة النجاح إلى رحلة وداع، ويكتب الفصل الأخير في قصة فتاة اختصرت بدمها وجع غزة كله.

لم يكن صباح أمس الاثنين 22 يونيو 2026 يوماً عادياً في بيت عائلة عاشور. خرجت رغد من منزلها تحمل كتبها وآمالها، فيما كانت والدتها تودعها بالدعاء والابتسامة، كما تفعل كل أم تنتظر نجاح ابنتها. لكن تلك الكلمات الدافئة كانت الأخيرة، إذ سرعان ما تحولت دعوات النجاح إلى دعوات بالرحمة، والابتسامات إلى دموع لا تجف.

وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً، شنت طائرات العدو الإسرائيلي عدة غارات استهدفت مركبة مدنية في حي الرمال بمدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد الطالبة رغد عاشور وإصابة عدد من المواطنين. وبينما كانت الفتاة تبحث عن طريق يقودها إلى قاعة الامتحان، كانت الصواريخ تبحث عنها لتمنعها من الوصول إليه.

لم تكن رغد مجرد طالبة تستعد لاختبار دراسي، بل كانت نموذجاً لجيل كامل يحاول التمسك بحقه في التعليم رغم الحرب والدمار. فقد انطلقت امتحانات الثانوية العامة هذا العام وسط ظروف استثنائية لم تعرفها الأجيال السابقة؛ خيام تفتقر إلى الهدوء، ومنازل مدمرة، وانقطاع متواصل للكهرباء والإنترنت، وتهديد دائم بالموت والنزوح.

وفي خضم هذا الواقع القاسي، خاض آلاف الطلبة معركتين في آن واحد؛ معركة البقاء على قيد الحياة، ومعركة الحفاظ على حقهم في التعليم. وكانت رغد واحدة من هؤلاء الذين رفضوا الاستسلام، وأصروا على مواصلة الطريق رغم كل العقبات التي فرضتها الحرب الصهيونية.

صديقتها المقربة لم تستطع الحديث عنها دون بكاء. تقول بحرقة لـ وكالة (شهاب) الفلسطينية: "كانت أقرب الناس إليّ، شريكة تفاصيل أيامي وأحلامي الصغيرة. كنا نتحدث دائماً عما سنفعله بعد الامتحانات، وعن الأيام التي ستصبح أخف وطأة، وعن مستقبل كنا نظن أنه ينتظرنا".

لكن قصة رغد تحمل وجعاً أكبر من استشهاد طالبة على طريق الامتحان. فهي ابنة شهيد سبق أن فقدت والدها خلال الحرب، وعاشت مع والدتها وإخوتها رحلة طويلة من النزوح والتشريد والخوف. كانت والدتها تتشبث بها وبإخوتها في كل محطة نزوح، محاولة حمايتهم من الموت الذي يلاحق الغزيين في كل مكان.

وفي لحظة واحدة، خسرت الأم ابنتها الوحيدة بين إخوتها الذكور. وقفت أمام جثمانها تودعها بكلمات تختصر حجم الفاجعة: "وردتي الوحيدة راحت مني في دقيقة وحدة.. كنت أنا وإياها ننام على مخدة وفرشة وحدة".

ولم يتوقف الحزن عند والدتها وإخوتها، بل امتد إلى الشاب الذي كان ينتظر انتهاء امتحانات الثانوية العامة ليزف رغد عروساً إلى بيت الزوجية. فقد كان من المقرر إقامة حفل زفافها بعد الامتحانات مباشرة، إلا أن القدر كتب لها زفة أخرى، لتغادر شهيدة قبل أن ترتدي ثوب العرس.

وتعيد قصة رغد إلى الأذهان عشرات الحكايات المشابهة التي عاشها الغزيون خلال سنوات الحرب؛ أبناء وبنات كانوا على موعد مع نجاح أو فرح أو بداية جديدة، قبل أن يخطفهم الموت في لحظة واحدة. ولعل من أحدث تلك النماذج الشاب عبد الجواد أبو لبن الذي استشهد بينما كان يوزع بطاقات زفافه قبل أيام قليلة من موعد عرسه.

لم تصل رغد إلى امتحانها، ولم تسمع نتيجة انتظارها الطويل، لكنها نجحت في امتحان آخر أكثر قسوة؛ امتحان الصمود في وجه حرب تحاصر الحياة نفسها.

وبين حقيبة مدرسية لم تكتمل رحلتها، وثوب زفاف لم يُرتدَ، تركت رغد عاشور حكاية ستبقى شاهدة على مأساة جيل كامل في غزة، جيل يحاول أن يكتب مستقبله بين الركام فيجد نفسه مطالباً أولاً بالنجاة.

رحلت الفتاة قبل أن تصل إلى قاعة الامتحان، لكن اسمها سيبقى محفوراً في ذاكرة غزة كعنوان للأحلام المؤجلة، وللشباب الذين تمسكوا بحقهم في الحياة والتعليم حتى اللحظة الأخيرة. فاستشهاد رغد لم يكن فقدان طالبة فحسب، بل كان فقدان قصة نجاح كانت تستعد لأن تُكتب، قبل أن تُغتال على الطريق إليها.