السياسية - تقرير/ نضال عليان:

تتصاعد المخاوف في قطاع غزة من توقف مزيد من محطات تحلية مياه الشرب عن العمل، في ظل النقص الحاد في مستلزمات التشغيل والصيانة، بما في ذلك الزيوت والفلاتر وقطع الغيار والمعدات الكهربائية، وسط تحذيرات من تداعيات مباشرة على توفر مياه الشرب الآمنة والصحة العامة.



وتعتمد أجزاء واسعة من قطاع غزة على مزيج من مصادر المياه، بينها الآبار القليلة المتبقية ومحطات تحلية مياه البحر والمياه الواردة عبر خطوط المياه، حيث تواجه هذه المنظومة ضغوطاً متراكمة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، ومحدودية الطاقة والوقود، وصعوبة توفير مستلزمات التشغيل والصيانة.

عضو غرفة التجارة والزراعة في غزة رياض السوافيري حذر في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) من خطورة توقف محطات تحلية المياه بسبب النقص الحاد في قطع الغيار الخاصة بالمحطات والمولدات الكهربائية اللازمة لتشغيلها.

وقال السوافيري إن رفض الاحتلال الإسرائيلي المستمر إدخال قطع الغيار المطلوبة قد يؤدي إلى توقف عدد من المحطات وانقطاع كميات كبيرة من مياه الشرب عن السكان، محذراً من أن نقص المياه الآمنة قد يدفع المواطنين إلى استخدام مصادر مياه ملوثة، بما يرفع المخاطر الصحية.

وتتوافق هذه التحذيرات مع تقارير أممية بشأن تأثير نقص مستلزمات التشغيل على إنتاج المياه في القطاع. حيث قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تحديث صدر في مايو/أيار 2026 إن إنتاج المياه المحلاة من البحر تراجع من نحو 20 ألف متر مكعب يومياً في مارس/آذار إلى نحو 16 ألف متر مكعب، بسبب نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار، مشيرة أيضاً إلى أن نقص زيوت المحركات والزيوت المستخدمة في التشحيم وغيرها من المستلزمات الأساسية يؤثر على إنتاج المياه والخدمات المرتبطة بها.



تراجع كبير في عدد محطات التحلية

في حين قال رئيس جمعية أصحاب محطات تحلية المياه في غزة أحمد أبو جميزة، إن استمرار توفير مياه الشرب أصبح مهدداً بشكل مباشر بسبب النقص في الزيوت والفلاتر وقطع الغيار ومستلزمات التشغيل والصيانة.

وأوضح أبو جميزة، في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن العديد من المحطات تعمل حالياً بمحركات ومعدات قديمة ومستهلكة، ويتم إصلاحها بصورة متكررة لإبقائها في الخدمة، محذراً من أن نفاد الزيوت أو تعطل المعدات وعدم توفر قطع الغيار قد يؤدي إلى توقف بعض المحطات في أي وقت.

وبحسب أبو جميزة، كان عدد محطات تحلية المياه في قطاع غزة يتجاوز 200 محطة قبل الحرب، بينما يبلغ عدد المحطات العاملة حالياً نحو 70 محطة، أي ما يقارب 30 بالمئة من العدد السابق، وفق بيانات الجمعية.

ويعني خروج المزيد من هذه المحطات عن الخدمة زيادة الضغط على مصادر المياه الأخرى، في وقت تشير فيه بيانات الأمم المتحدة إلى أن منظومة المياه في غزة تعمل بالفعل تحت قيود شديدة.

وفي يوليو/تموز 2026، قالت اليونيسف إن نحو 82 بالمئة من الأسر في قطاع غزة تعاني انعداماً في الأمن المائي، وإن ما يصل إلى 70 بالمئة من الأسر لا تستطيع الوصول إلى الحد الأدنى البالغ ستة لترات من المياه للفرد يومياً للشرب والطهي.

كما أشارت إلى أن القيود على دخول الوقود وقطع الغيار والمواد الأساسية، ومنها زيوت المحركات اللازمة لتشغيل المولدات، تتسبب في أعطال متزايدة في خدمات المياه والصرف الصحي.



المياه بين الإنتاج والنقل والتوزيع

ولا تقتصر أزمة المياه في القدرة على إنتاجها، إذ تواجه عمليات نقلها وتوزيعها أيضاً صعوبات مرتبطة بالوقود والمعدات وقطع الغيار والأضرار التي لحقت بشبكات المياه.

وقالت الأمم المتحدة في يوليو/تموز إن شركاء قطاع المياه كانوا ينقلون مياه الشرب إلى المجتمعات عبر شبكة تضم 2,460 نقطة توزيع، بكمية بلغت نحو 17,151 متراً مكعباً يومياً، لكنها كانت أقل بنسبة تتراوح بين 15 و20 بالمئة مقارنة بشهر يونيو/حزيران، بسبب تراجع التمويل.

وفي تقرير سابق، حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار التأخير في إدخال زيوت المولدات وقطع الغيار يهدد مئات المولدات وآبار المياه ومحطات التحلية ومحطات الضخ وأساطيل صهاريج نقل المياه، مشيرة إلى أن استمرار النقص قد يؤدي إلى توقف إنتاج مياه الشرب الآمنة ونقلها، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر صحية عامة.



أضرار البنية التحتية تزيد هشاشة القطاع

وتأتي أزمة مستلزمات التشغيل في وقت تعاني فيه البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة من أضرار واسعة.

وبحسب اليونيسف، فإن ما يقارب 90 بالمئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تضررت أو دمرت، ما يزيد صعوبة توفير الخدمات الأساسية للسكان ويضاعف المخاطر المرتبطة بالمياه غير الآمنة والصرف الصحي والنظافة.

وفي أغسطس/آب الماضي، قالت الأمم المتحدة إن 91 بالمئة من الأسر التي شملها رصد ميداني في أوائل أغسطس كانت تعاني مستويات متوسطة إلى مرتفعة من انعدام الأمن المائي، مقارنة بـ90 بالمئة في يوليو و84 بالمئة في يونيو.

وفي هذا السياق، يقول عضو مجلس إدارة أزمات القطاع الخاص في غزة معين أبو الخير لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إن القيود الاسرائيلية المفروضة على إدخال مستلزمات التشغيل وتنقية المياه تهدد الخدمات الحيوية في القطاع.

وأضاف أن الاحتلال ما يزال يشن حرباً لم يسبق للتاريخ البشري أن شهدها، ويحاول تضييق الخناق على شعبنا الفلسطيني بكل مكوناته اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً لجعله يفكر فيما يتعلق بمخطط التهجير.

وتابع: "يجب أن يكون هناك تدخل عاجل من المؤسسات الدولية والدول المانحة والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لرفع القيود الموجودة على المعابر وإدخال أدوات الإنتاج حتى تستطيع محطات التحلية وغيرها من المطاعم والمصانع أن تعين نفسها وتقدم خدماتها للجمهور وتخفف من الوجع وويلات الحرب التي على مدار ثلاث سنوات يعيشها اقتصادنا الفلسطيني وشعبنا الفلسطيني والانسان الفلسطيني".



مخاوف من انعكاسات صحية خطيرة

ويحذر العاملون في قطاع المياه من أن توقف محطات التحلية لا يعني فقط انخفاض كميات المياه المتاحة، وإنما قد يؤدي أيضاً إلى زيادة اعتماد السكان على مصادر مياه أقل أماناً، في وقت ترتبط فيه جودة المياه مباشرة بالوقاية من الأمراض.

وتقول اليونيسف إن نقص المياه في غزة يضع الأسر أمام مفاضلة يومية بين احتياجات الشرب والنظافة والوقاية من الأمراض، مشيرة إلى أن ظروف المياه والصرف الصحي المتدهورة تزيد المخاطر الصحية، ولا سيما بالنسبة للأطفال.

وبذلك، لا تبدو أزمة محطات التحلية منفصلة عن أزمة المياه الأوسع في قطاع غزة، إذ تتداخل فيها أضرار البنية التحتية، ونقص الطاقة والوقود، ومحدودية مستلزمات التشغيل والصيانة، وصعوبة نقل المياه وتوزيعها.

ومع استمرار هذه القيود، يحذر أصحاب المحطات والجهات الاقتصادية من أن خروج مزيد من محطات التحلية عن الخدمة قد يزيد الفجوة بين احتياجات السكان وكميات المياه الآمنة المتاحة لهم، ما يجعل إدخال الزيوت وقطع الغيار والفلاتر والمستلزمات الفنية عاملاً حاسماً في استمرار خدمة مياه الشرب.