السياسية- تقرير:


يمثل إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام المسافرين من مختلف فئات وشرائح المجتمع اليمني من قبل العدو السعودي جريمة حرب، واكتمالاً لأركان الإبادة الجماعية بحق شعب حُرم من حرية التنقل في وقت تمارس فيه كافة شعوب الأرض حريتها الطبيعية في السفر والترحال دون أي عوائق.


لا تتوقف مأساة حصار مطار صنعاء عند حدود أنين المرضى الذين سرقهم الموت وهم ينتظرون بوابات العبور، بل تمتد لتصل إلى جرح أشد صمتاً وأكثر عمقاً يمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين اليمنيين.

سجن كبير:



وفي الوقت الذي تنص فيه المواثيق الدولية صراحة على حق المواطنين المبدئي في حرية السفر والتنقل حتى في أوقات الأزمات والنزاعات المسلحة، يصر العدو السعودي على ضرب كافة القوانين والاتفاقيات الدولية عرض الحائط، بهدف جعل الشعب اليمني يعيش داخل سجن كبير ومعزول كلياً عن العالم الخارجي.

ويعيش هذا الواقع الأليم مئات الآلاف من أبناء الشعب اليمني، وفي مقدمتهم الطلاب المبتعثون للدراسة في الخارج، والمغتربون الذين يعانون مرارة الفراق عن أهلم لكسب العيش وتحسين وضعهم المعيشي، إضافة إلى العالقين في الخارج ممن حُرموا من حقهم الإنساني والأصيل في العودة إلى ديارهم.

إنها مأساة بحق ملايين المواطنين الذين يُحرمون من أبسط حق إنساني، وهو أن يعود الإنسان إلى وطنه ويعانق أهله بأمان.

وتتجسد قسوة الموقف لدى المغترب اليمني حين يضطر لمشاهدة أطفاله وأسرته من خلف شاشات الهواتف العاجزة عن أن تمنحه دفء الوطن أو تخفف عنه مرارة الغربة.

إن حصار مطار صنعاء الدولي هو خنقٌ للحياة ولعل أشد ما يبعث على الأسى أن هذا المشهد المأساوي يتشكل أمام مرأى ومسمع مجتمع دولي يملأ الدنيا ضجيجاً بشعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي، لكنه يقف موقف المتفرج العاجز عن تحريك أي ساكن لإنهاء هذه المعاناة.

جهود وطنية تسابق التدمير الممنهج:



وعلى الصعيد الفني والميداني، كشف تقرير لوزارة النقل والأشغال العامة عن حجم الاستهداف المباشر والمتكرر الذي تعرض له مطار صنعاء الدولي من قبل العدو السعودي وطال بنيته التحتية ومدرجه الرئيسي والفرعي وصالات المغادرة والوصول، ومبنى الترحيل، ومنظومات الإرشاد الملاحي وأجهزة الرادار والاتصالات.

لم يقتصر التدمير على مطار العاصمة فحسب، بل امتد ليشمل مطارات تعز والحديدة وصعدة والبيضاء عبر تدمير شامل أدى إلى خروج غالبيتها عن الخدمة التشغيلية بالكامل، فضلاً عن قصف مباني المعهد الفني وتدمير عدد من الطائرات المدنية، من بينها طائرتَا شحن وطائرتان تتبعان شركة طيران السعيدة أثناء ربوضها في مرسى المطار.

وأمام هذا التدمير استطاعت الكوادر والخبرات الوطنية في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد إعادة تأهيل واستعادة الجاهزية التشغيلية بالحد الأدنى لمطار صنعاء الدولي بتمويلات وجهود ذاتية.

مواقف رسمية لانتزاع حق سيادي:



وفي إطار المواقف الرسمية، أكد وزير النقل والأشغال العامة محمد قحيم أن إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام مختلف شرائح المجتمع اليمني يُمثّل جريمة عقاب جماعي أدت إلى وفاة مئات الآلاف من المرضى وتكبيد الاقتصاد اليمني خسائر تقدر بمليارات الدولارات.

وطالب بالرفع الفوري والكامل لجميع القيود المفروضة على المطارات اليمنية عامة، ومطار صنعاء الدولي بشكل خاص، مفوضاً القيادتين الثورية والسياسية لاتخاذ الإجراءات والخيارات المناسبة لكسر الحظر وانتزاع الحق السيادي للجمهورية اليمنية في إدارة أجوائها.

وأوضح الوزير قحيم أن القرار السعودي بإغلاق المطار جاء إجراءً تعسفياً أحادي الجانب يفتقر لأي مشروعية قانونية أو غطاء أممي، مؤكداً عدم وجود أي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي يقضي بعزل الأجواء والمطارات اليمنية، مما تسبب في تعطيل الشريان الحيوي لأكثر من 80 في المائة من أبناء الشعب اليمني.

ولفت إلى محاولات العدو السعودي المستمرة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن حصار المطار وتسويق مبررات غير موضوعية لتضليل الرأي العام والمجتمع الدولي، والتي سرعان ما انكشفت؛ حيث تثبت الوقائع الميدانية والتقارير الموثقة للمنظمات الدولية مسؤولية السعودية الكاملة، بدءاً من إلزام المنظمات الإنسانية بأخذ موافقات مسبقة لهبوط رحلاتها، وصولاً إلى التعطيل الممنهج لرحلات الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية)، ومنع شركات الطيران الدولية من الهبوط في المطار.

أرقام تكشف حجم الكارثة:



من جانبه، قدّم مدير عام مطار صنعاء الدولي خالد الشائف، إحصائيات تعكس عمق الكارثة؛ حيث أوضح أن عدد المسافرين عبر المطار في العام الواحد قبل العدوان والحصار السعودي كان يصل إلى مليونين ونصف المليون مسافر، مقارنة بـ 50 ألف مسافر فقط بعد العدوان وخلال فترة خفض التصعيد، مؤكداً أن هذه الفوارق الشاسعة تعكس حجم التنصل عن الالتزامات الموقعة في اتفاق الهدنة في أبريل 2022م.

ولفت إلى أن مطار صنعاء كان يسجل قبل العدوان أكثر من 50 ألفاً و400 رحلة سنوياً، مقابل ألف و782 رحلة فقط بعد العدوان وخلال فترة خفض التصعيد، مبيناً أن المطار كان يسير رحلات تجارية إلى أكثر من 20 وجهة عبر ما يزيد عن 50 شركة نقل عالمية، ليتقلص ذلك إلى وجهة واحدة وشركة نقل وحيدة.

وبهذه الأرقام الصادمة، يتأكد مدى إمعان العدو السعودي في قتل اليمنيين حصاراً، ناهيك عما تسببت به نحو ربع مليون غارة جوية من تدمير للبنية التحتية واستهداف المواطنين بصورة مباشرة.

شاهد على أبشع صور الابتزاز



وفي هذا السياق، وجه مدير النقل الجوي بالهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد الدكتور مازن غانم، نداءً مباشراً "لرفع الحصار عن مطار صنعاء الدولي، باعتبار أن فتح الأجواء ليس مِنّةً ولا هبةً تُستجدى، بل هو حقٌ مسلوبٌ يجب أن يُرَد لشعبٍ حر يستحق الحياة".

وأكد أن اليمن الذي علّم العالم معنى الصبر والثبات لن يقبل أن يبقى أبناؤه رهائن للألم والغربة، مشيرا إلى أن مطار صنعاء لم يعد مجرد مرفق معطل، بل تحول إلى شاهد حي على أبشع صور الابتزاز وتحويل الحقوق إلى ورق تفاوض.

خلف أسوار مطار صنعاء الدولي، لا تقبع مدرجات مهجورة فحسب، بل يقبع بلد تحت حصار غاشم تحول إلى نصل يذبح الأمل ببطء، ويجبر اليمنيين على سلوك متاهة الخطر كبديل قسري عن حقهم الطبيعي في السفر والتنقل بحرية وسلام.

سبأ