السياسية : تقرير|| علي العاقل||

شهدت محافظة صنعاء خلال هذا العام تحولًا تنمويًا فارقًا، تجسد في الاتساع غير المسبوق لقطاع المبادرات المجتمعية، الذي تحول من مساهمات أهلية متفرقة إلى رافد تنموي شريك ومساند لجهود السلطة المحلية ووحدة التدخلات المركزية التنموية الطارئة.

وأوضحت المؤشرات الميدانية والتقارير الصادرة عن الجهات التنموية بالمحافظة أن المبادرات المجتمعية نجحت في شق ورصف مئات الكيلومترات من الطرق في المديريات ذات الطبيعة الجبلية الوعرة، وفي مقدمتها مديريات نهم، الحيمة الداخلية والخارجية وبني مطر، ومناخة وصعفان وبني ضبيان وبني حشيش، فيما شملت بقية التدخلات كامل مديريات المحافظة، مما أسهم بشكل مباشر في فك الحصار التنموي عن القرى النائية وخفض تكاليف نقل المحاصيل والخدمات الأساسية.

كما شملت هذه المبادرات، قطاعي المياه والزراعة من خلال حفر وبناء عشرات السدود والحواجز المائية لحصاد مياه الأمطار وتغذية الأحواض الجوفية، فضلًا عن ترميم العديد من المنشآت التعليمية والصحية، عبر جهود المساهمة الأهلية، وبإسناد كادر تنموي مؤهل من "فرسان التنمية" والجمعيات التعاونية.

وفي السياق، أكد محافظ صنعاء عبد الباسط الهادي، أن ما تحقق هذا العام يُعد نموذجًا للتكامل بين الدولة والمجتمع، مشيرًا إلى أن الوعي التنموي لدى أبناء المحافظة شَكّل الوقود الحقيقي لهذه الثورة التنموية.

وقال: "لقد انتقلنا من مرحلة الانتظار للدعم المركزي إلى مرحلة الشراكة والابتكار الميداني، حيث أسهمت السلطة المحلية بتقديم الدعم المالي والمعدات، ووحدة التدخلات الطارئة بتقديم المواد الأساسية من أسمنت وديزل، بينما تكفّل الأهالي بالجهد البشري والمساهمات النقدية".

أمين عام المجلس المحلي بالمحافظة عبد القادر الجيلاني أكد أن ما شهدته المديريات خلال الأعوام القليلة الماضية، يُمثل ملحمة تنموية مجتمعية بامتياز، أثبتت أن الرهان على وعي المجتمع وإرادته هو الرهان الأنجح للنهوض بالواقع الخدمي والاقتصادي.

وأكد نجاح السلطة المحلية بفضل الله، ثم بتكاتف أبناء المحافظة واللجان المجتمعية وفرسان التنمية، في تحويل المبادرات الفردية والأهلية إلى مسار تنموي منظم يضع حجر الأساس لتنمية مستدامة.

بدورهما أوضح رئيس الفريق التنموي عبد الله المروني ونائبه صدام الفصيح، أن دعم القيادة وإسناد وحدة التدخلات المركزية الطارئة بالمواد الأساسية كالأسمنت والديزل شَكّلا دافعًا أساسيًا، إلا أن العامل الحاسم كان ولا يزال هو العطاء السخي والتطوع الميداني من المواطنين الذين جسدوا أبهى صور الشراكة والتكافل.

وبينا أن هناك اهتمامًا كبيرًا لتقييم التجربة بشفافية وقراءة المعوقات الميدانية بكل مسؤولية، مشيرين إلى أن الطبيعة الجبلية الوعرة للمحافظة والنقص في المعدات الثقيلة، إضافة إلى الحاجة لتوسيع الدراسات الهندسية المسبقة، تُشكل تحديات حقيقية أمام سير العمل، وهو ما يضع في أولويات الفريق التركيز على الانتقال نحو التخطيط الاستراتيجي الأكثر دقة، والعمل على توفير التسهيلات والآليات اللازمة، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص والجمعيات التعاونية لضمان تخفيف الأعباء المالية عن كاهل المواطنين وضمان أعلى درجات الجودة والاستدامة للمشاريع المنفذة.

بدوره أوضح مدير المبادرات المجتمعية بالمحافظة محمد مفتاح أن إجمالي عدد المشاريع المدعومة المنفذة خلال السنوات الماضية بلغت 99 مشروعًا، بتكلفة بلغت ثلاثة مليارات و105 ملايين و847 ألف ريال.

وبيّن أن المشاريع المنفذة شملت قطاعات الطرق، والمياه، والصرف الصحي، والصحة والتعليم، مشيرًا إلى أن مشاريع الطرق المنفذة بلغت 38 مشروعًا، بطول 90 كيلو متراً، بتكلفة بلغت مليارا و255 مليونًا و137 ألف ريال، تمثلت في عمليات الشق والتعبيد والرصف بالحجارة والصيانة، والمسح والتسوية.

وأشار إلى أن مشاريع الصحة بلغت ثمانية، بتكلفة 112 مليونًا و 359 ألف ريال، ومشاريع المياه 18 مشروعًا بتكلفة 384 مليونًا و351 ألف ريال، شملت أعمال الحفر والتعميق لعدد من الآبار وتركيب منظومات طاقة شمسية لعدد آخر، ومشاريع الصرف الصحي والمتنوعة تسعة بتكلفة 573 مليونًا و 797 ألف ريال، فيما بلغت مشاريع التعليم 26 بتكلفة 780 مليونًا و 201 ألف ريال .

- تحديات ميدانية ومقترحات للحلول



كشفت القراءات التقييمية للميدان عن تحديات ومعوقات واجهت سير العمل، جاء في مقدمتها النقص الحاد في المعدات الثقيلة المخصصة للشق، والتذبذب في توفر وارتفاع أسعار المشتقات النفطية والمواد الإنشائية الأساسية كالإسمنت، إضافة إلى الفجوة الفنية في المسح الهندسي المسبق لبعض المشاريع الأهلية قبل تدخل الجهات المختصة.

وعن ذلك أشار رؤساء الجمعيات التعاونية التنموية في قطاعات المحافظة، إلى المعوقات التي تواجه سير العمل في جانب المبادرات المجتمعية، ومن أبرزها ما يتعلق بتوفير الآليات الثقيلة كالدكاكات والبوكلينات للعمل في المناطق الجبلية الأشد وعورة، مما يرفع تكلفة الاستئجار ويستنزف مدخرات المواطنين، معربين عن الأمل في أن تشهد المرحلة القادمة توفير وحدة معدات مخصصة للمبادرات لضمان استمرار هذا الزخم.

ولتجاوز الصعوبات وضمان استدامة هذا النهج، شددت التوصيات الإدارية والتنموية في أكثر من اجتماع ولقاء على ضرورة وضع خطط ذات رؤية تنموية حقيقية لتجاوز تلك التحديات، تهدف لتوفير الإمكانيات اللازمة في كل قطاع من قطاعات المحافظة، وتعزيز المسح والهندسة المباشرة قبل التنفيذ، إلى جانب توسيع نطاق دعم وحدة التدخلات الطارئة بالمواد الأساسية، وتحفيز القطاع الخاص لرعاية المبادرات ذات الأثر المستدام.

من جانبهم أوضح عدد من ممثلي "فرسان التنمية" واللجان المجتمعية بالمديريات، حجم الأثر الميداني لتلك المشاريع، مشيرين إلى أن الطرق والجدران الساندة والحواجز المائية التي جرى تنفيذها لم تكن مجرد أحجار خرسانية، بل كانت شريان حياة أُعيد إحياؤه لآلاف الأسر التي كانت تعاني عزلة قاسية جراء وعورة التضاريس.

وأكدوا أن الواقع يشهد كيف تحولت الجهود الذاتية إلى أمل حقيقي أوقف نزوح الأهالي وأعاد للزراعة مجدها وللريف اليمني ألقه.

تمضي محافظة صنعاء قدمًا في تعزيز هذا النموذج التنموي الرائد، من خلال الدفع بعجلة المبادرات المجتمعية نحو أفق أوسع، لإنجاح هذه الملحمة التنموية وإبراز أثرها المستدام في خدمة أبناء المحافظة.
سبأ