اعتداءات المستوطنين على صحفية ودبلوماسيين أجانب بالضفة: إرهاب يومي ومعايير مزدوجة
السياسية - وكالات:
أثار الاعتداء العنيف الذي شنه مستوطنون صهاينة في الضفة الغربية، الجمعة والسبت، ضد المصورة الأمريكية في "واشنطن بوست" هايدي ليفين، ودبلوماسيين أوروبيين كانوا يؤازرون المزارعين الفلسطينيين في موسم قطف الزيتون بالضفة الغربية، إدانات رسمية سريعة من واشنطن وعواصم أوروبية. مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول الإرهاب اليومي للمستوطنين وسياسة الغرب المزدوجة تجاه العنف في الأراضي المحتلة.
ويمكن تلخيص أهم الأسباب التي تجعل الموقف الدولي والسياسي يبدو "صامتاً" أو أقل تفاعلاً تجاه الضحايا الفلسطينيين مقارنة بالأجانب في عدة نقاط، الأهم فيها "سياسة الكيل بمكيالين" واختلاف معايير المحاسبة الدولية والاهتمام الإعلامي بناءً على جنسية الضحية. إذ يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية اعتداءات يومية وممنهجة من قبل المستوطنين وقوات العدو الاسرائيلي دون أن تسفر المطالبات الدولية عن أي تغيير على الأرض، نظراً لغياب غطاء سياسي دولي يملك القدرة على فرض عقوبات رادعة على العدو الاسرائيلي لحمايتهم.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الاعتداءات ضد الفلسطينيين نادراً ما يتم التحقيق فيها بجدية من قبل سلطات العدو، وتمر معظم الجرائم دون عقاب (الإفلات من العقاب). أما عندما يكون الضحية شخصية دولية أو صحفياً أمريكياً، يضطر المسؤولون الغربيون للمطالبة علناً بإيضاحات وإجراء تحقيقات قضائية عاجلة.
المفارقة في الحادثة الأخيرة، وفق مراقبين، هي أن المصورة الأمريكية والدبلوماسيين الأوروبيين تعرضوا للاعتداء بالأساس؛ لأنهم كانوا يتواجدون ميدانياً لتوثيق ومشاركة المزارعين الفلسطينيين في معاناتهم اليومية خلال موسم قطف الزيتون، مما يثبت عملياً أن العنف والارهاب الممارس ضد الفلسطينيين هو الأصل، وأن الصمت الدولي لا يكسره سوى تضرر الرعايا الأجانب.
عودٌ على بدء
تحوّل موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة هذا العام إلى ساحة مفتوحة لاعتداءات المستوطنين الصهاينة، التي لم تتوقف عند الفلسطينيين وأراضيهم، بل امتدت لتطال صحفيين أجانب ودبلوماسيين أوروبيين، في وقائع وثّقتها وسائل إعلام دولية وأثارت موجة إدانات غربية، وكشفت حجم الإفلات من العقاب الذي تتمتع به عصابات المستوطنين بحماية جيش العدو الإسرائيلي.
في قرية أبو فلاح شمال شرق رام الله، تعرضت المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، العاملة لصالح صحيفة "واشنطن بوست"، لاعتداء وحشي يوم الجمعة الماضي أثناء تغطيتها هجوم مستوطنين على قاطفي الزيتون. وبحسب ما نقلته "واشنطن بوست" وتابعته مجلة "نيوزويك"، هاجم عشرات المستوطنين القرويين الفلسطينيين، وعندما حاولت ليفين توثيق الاعتداء، ورغم ارتدائها سترة تحمل علامة «صحافة»، أُسقطها المستوطنون أرضاً وتعرضت للركل والضرب بالعصي، واستولى المعتدون على كاميراتها وهاتفها.
وقالت ليفين: "استمروا في ركلي مراراً وتكراراً، ربما نحو 50 مرة". وقد نُقلت إلى مستشفى في رام الله بعد إصابتها بجروح وكسور متعددة. وأفاد أندري خرزانوفسكي، وهو مدوّن وثّق الهجوم، لـ"واشنطن بوست" بأن قوات إسرائيلية وصلت إلى الموقع قبيل الهجوم، لكنها "لم تفعل شيئاً على الإطلاق تجاه المستوطنين".
ويوم أمس السبت، هاجم مستوطنون دبلوماسيين أوروبيين في موسم قطف الزيتون في قرية الطيبة قرب رام الله، بحسب ما نقلته وكالة "سند" الفلسطينية. وتعرّضت مركبات دبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا لاعتداء، حطم فيه المستوطنون مركبة القنصلية البلجيكية، وطرحوا أحد القناصل أرضاً.
وقال رئيس بلدية أولنوا-إيميري شمال فرنسا، برنار بودو، الذي كان ضمن الوفد المستهدف، لوكالة "فرانس برس" إن الواقعة تكشف تساهل الحكومة "الإسرائيلية" اليمينية مع عنف المستوطنين.
وأضاف: "إذا كان المستوطنون يتصرفون على هذا النحو، فهذا يعني وجود تساهل من جانب الحكومة الإسرائيلية".
ولم تكن هذه الاعتداءات معزولة، بل جاءت في سياق تصعيد وثّقته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. فقد رصدت الهيئة 2051 اعتداءً نفذتها قوات العدو ومستوطنوه بحق الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم في الضفة والقدس خلال سبتمبر الماضي وحده. وبلغ إرهاب المستوطنين ذروته بتنفيذ 647 اعتداءً، أدت إلى استشهاد 3 فلسطينيين، وإصابة 88 مواطناً، وتخريب واقتلاع 14,600 شجرة، من بينها 9,334 شجرة زيتون.
وتشير معطيات الهيئة إلى أن المستوطنين نفذوا 5561 اعتداءً منذ مطلع العام 2026 وحتى نهاية سبتمبر.
وكشف المكتب الوطني الفلسطيني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، في تقريره الأسبوعي وفقاً لوكالة "وفا"، عن اتساع إرهاب المستوطنين في موسم الزيتون. وأشار إلى أكثر من 150 اعتداءً منذ مطلع أكتوبر الجاري، وإصدار جيش العدو أوامر عسكرية تحظر دخول الفلسطينيين إلى نحو 88 ألف دونم دون تنسيق مسبق.
كما وثّق أن 47 عائلة في خربة الرأس الأحمر بالأغوار الشمالية تواجه خطر التهجير جراء حصار مستمر وإغلاق الطرق وقطع المياه والأعلاف، إضافة إلى اقتلاع مئات أشجار الزيتون وتجريف الأراضي في نابلس وطولكرم وسرقة المحاصيل.
ردود فعل سريعة
أما ردود الفعل، فقد جاءت سريعة أوروبياً. فأدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو، الاعتداء على الدبلوماسيين في الطيبة، مطالباً بمحاسبة المسؤولين. وأكد في تدوينة على منصة «إكس» مواصلة بلاده الضغط داخل الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على المتورطين وداعميهم.
وقال بريفو، إن العنف ضد الدبلوماسيين "يرتبط بسياسة الاستيطان الإسرائيلية غير القانونية"، مشدداً على إدانة بلجيكا لتوسيع المستوطنات ومحاولات التهجير القسري. وشدد على مسؤولية السلطات الإسرائيلية، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، عن حماية الفلسطينيين وضمان سلامة الدبلوماسيين والصحفيين وتقديم المتورطين إلى العدالة، وأكد ضرورة إنهاء الإفلات من العقاب.
كما عبّر بريفو، عن استياء بلاده من تأخر التحرك الأوروبي، معلناً توجه بلاده لاتخاذ إجراءات وطنية للضغط على "الحكومة الإسرائيلية"، ومؤكداً أن تغيير سلوكها يتطلب موقفاً أوروبياً موحداً.
كما أدان وزير الخارجية الفرنسي جان بارو، تعرض رئيس بلدية أولنوي-أيميريس لهجوم عنيف من قبل مستوطنين في الضفة الغربية، مؤكداً أن بلاده على اتصال به.
ودعا بارو في تدوينة على منصة "إكس" رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، السلطات الإسرائيلية إلى اعتقال المسؤولين عن الهجوم على وجه السرعة وتقديمهم للعدالة، مطالباً بوضع حد عاجل لأعمال العنف وضمان سلامة السكان المدنيين، وفقاً لما يفرضه القانون الدولي.
وتواترت ردود الفعل الغربية أوروبيًا وأمريكيًا تجاه الحدث، بينما تمر انتهاكات المستوطنين بحق الفلسطينيين كل يوم تحت صمت أو بيان هزيل.
فلسطينياً، أكدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في تصريح، أن الاعتداءات على الدبلوماسيين والمصورة الأمريكية تكشف جانباً من الإرهاب اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون في الضفة، في سياق مساعٍ لاقتلاعهم وفرض التوسع الاستيطاني بالقوة. وأدانت الاعتداء على الدبلوماسيين في الطيبة وعلى المصورة الصحفية في أبو فلاح، مؤكدة أن امتداد الجرائم إلى الدبلوماسيين والصحفيين يعكس تمادي العصابات وشعورها بالإفلات من العقاب.
من جهته، قال عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" باسم نعيم، في تدوينة، إن الاعتداء على الصحفية الأمريكية هايدي ليفين ليس غريباً على كيان مارق عن القانون الدولي.
وأوضح أن حكومة العدو تدعم بصورة ممنهجة هجمات المستوطنين على الفلسطينيين وضيوفهم، وأن الاعتداء على الصحفيين والبعثات الدبلوماسية سياسة ممنهجة لحكومة نتنياهو لطمس الحقيقة. وأشار إلى أن جيش العدو قتل أكثر من 260 صحفياً في غزة خلال ثلاثة أعوام من الإبادة، ودعا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته، مؤكداً أن الصمت تواطؤ يرتقي للمشاركة في الجرائم.
عندما يكون الضحية غربياً.. تتغير المعايير
توالت ردود الفعل الغربية بشكل لافت بمجرد أن طال العنف صحفية أمريكية ودبلوماسيين أوروبيين، فصدرت الإدانات من وزراء خارجية، وطُرحت فكرة العقوبات، وتحركت وسائل إعلام كبرى مثل «نيوزويك» و«واشنطن بوست» لتوثيق ما جرى.
هذا الاهتمام، وفق مراقبين، رغم أهميته، يكشف مفارقة مؤلمة: فالاعتداءات ذاتها تقع على الفلسطينيين بشكل يومي، وبأعداد وأشكال أكثر وحشية، دون أن تحظى بربع هذا الاهتمام.
فالفلسطينيون يتعرضون يومياً للقتل والضرب والركل وسرقة المحاصيل وحرق الأشجار واقتلاعها وهدم المنازل وقطع المياه والكهرباء والحصار، ويُقتلون ويُجرحون ويُهجّرون، كما تُظهر أرقام هيئة مقاومة الجدار والاستيطان و"أوتشا"، ومع ذلك تمر هذه الجرائم غالباً بصمت دولي أو ببيانات خجولة لا تترجم إلى إجراءات. ولا تتحرك العواصم الغربية عادة إلا عندما يُمسّ أحد مواطنيها أو دبلوماسييها، وكأن دم الفلسطيني أقل قيمة، أو أن معاناته أصبحت خبراً معتاداً.
هذا التباين لا يعكس فقط ازدواجية المعايير، بل يمنح المستوطنين وجيش العدو رسالة ضمنية بأن الإفلات من العقاب مضمون طالما أن الضحية فلسطيني، وأن الخط الأحمر الوحيد هو المسّ بالغربيين.
ولذلك يرى الفلسطينيون أن الاعتداء على المصورة الأمريكية والدبلوماسيين لم يكن استثناءً، بل مرآة كشفت للعالم ما يعيشونه كل يوم، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق ببيانات الإدانة الانتقائية، بل بإجراءات ملزمة تحاسب المعتدين، وتوقف الاستيطان، وتحمي الفلسطينيين كما تحمي الأجانب.

