العرب المستضعفة والعرب المستكبرة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تُعاني دول عربية مثل اليمن، والصومال، والسودان، وسورية من مستويات جائحة من الفقر وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وهو فقرٌ يرتبط بالأدوار السياسية والاقتصادية التي لعبتها بعض الدول العربية الثرية. فمنذ عقود، ساهم التنافس الإقليمي والدعم المالي والعسكري لبعض أطراف النزاع داخل هذه الدول الفقيرة في تغذية الحروب الأهلية وتدمير البنية التحتية وتعطيل عجلة الإنتاج.
وقد بات العالم يصنف العرب إلى فريقين رئيسيين: فريق مستكبر وعميل وشريك لكل المشاريع الصهيونية في المنطقة، ويتمثل في الأنظمة الخليجية وغيرها من الجماعات المتطرفة التابعة لها، وفريق آخر هو ضحية لمؤامرة الفريق الأول، القائمة هنا تحول لتشمل أغلب الشعوب العربية التي تشكو اليوم من ويلات العدوان الخارجي والحروب الداخلية المصطنعة.
وبما أن الفريق الأول قد حسم أمره بالعمالة لأعداء الأمة، فإن الشعوب المستضعفة مطالبة بالتوحد ونصرة بعضها البعض حتى لا تبقى فرائس سهلة لعدوها ولوكلائه.
وحتى لا تتحقق تلك الوحدة، يعمل الفريق الأول على خلخلة أي جهود إسلامية من شأنها تحقيق الانتصار الجمعي؛ من خلال التطرف والإرهاب الممول خليجياً، ومن خلال الحملات الإعلامية الضخمة الساعية لخلط الأوراق، ولعل "الجزيرة" القطرية هي الأداة الأشد خطورة بالنسبة للإعلام التآمري.
ولا أمل لمستضعفي العرب بأن يتفادوا المؤامرة الخليجية وتداعياتها عبر السلم ولغة الحوار، وحتى بالعمالة والانبطاح؛ ولنا في نظام "عفاش" خير مثال، يوم باع وطنه وسيادة شعبه لآل سعود على أمل أن تسلم له مصالحه الشخصية، لكنه سقط وخسر كل شيء على يد عملاء آخرين صنعتهم الرياض، والأمر ينطبق على أنظمة أخرى محسوبة على الشعوب العربية المستضعفة.
وفي سوريا بالتحديد، لم يسلم السوريون ولا دولتهم ومؤسساتهم السيادية من الاستهداف الخليجي، حتى بعد أخونة الشعب وإجباره على تبني العقائد المتطرفة التابعة للرياض والدوحة، ولعل تعدد أقطاب المؤامرة بين الرياض وغير الرياض يشكل عاملاً لضرب الأمة مهما قدمت لهم من تنازلات.
فإذا رضيت الرياض فلن ترضى الدوحة، وإن رضيت الدوحة فلن ترضى أبوظبي، وهكذا يتناوب الخونة على التنكيل بمستضعفي العرب، رغم أن الأنظمة الخليجية لا تختلف فيما بينها عندما يتعلق الأمر بحماية المشروع الصهيوني.
وأمام هذا الفريق بقيادة الرياض، برز اليمن على الجهة الأخرى متزعماً جبهة المستضعفين العرب، فهو القوة الوحيدة القادرة على تأديب معسكر الاستكبار والنيل من عواصم الخيانة مجتمعة، وعلى سائر الشعوب المستضعفة أن تلتحق بمعسكر اليمن؛ لأن تبعات التخاذل كبيرة، وقد رأينا كيف أن الفرقة كانت سبباً في استضعاف الجميع، ومن ثم استهداف كل واحد منهم على حدة.
وإذا ما أردنا التماس الشواهد العملية التي تؤكد صوابية هذا الطرح، يكفي أن ننظر إلى الساحة الفلسطينية واللبنانية الممتدة كجبهة مواجهة أولى؛ فقد تجلّى هذا الانقسام بأبشع صوره حين تخلّت تلك الأنظمة الخليجية عن أدنى مسؤولياتها القومية والإسلامية تجاه المذابح وحرب الإبادة المسلطة على غزة ولبنان، بل وذهبت إلى ما هو أبعد من الصمت بتقديم طوق النجاة الاقتصادي والإعلامي للكيان الصهيوني لتأمين خطوطه الإمدادية والتغطية على جرائمه. وفي المقابل، كان موقف اليمن وشعبه المستضعَف حاسماً وعملياً، حيث لم يكتفِ بالبيانات والتنديد، بل فرض معادلة عسكرية جديدة في البحرين الأحمر والعربي وطال بعمق صواريخه ومُسيّراته قلب الكيان الصهيوني، ليثبت بالدليل القاطع أن معسكر المستضعفين المقاوم هو الوحيد الذي يمتلك الإرادة والقدرة على كسر غرور الاستكبار وإسقاط رهانات الوكلاء.
وبالتالي فلن ينجو أحد من جحيم هذا المشروع التآمري والمسؤولية التاريخية والأخلاقية تحتم على الشعوب العربية والإسلامية المستضعفة إسقاط الحواجز الموهومة، وتجاوز الخلافات الهامشية التي يغذّيها إعلام الخيانة، والتوحد خلف القوى الصادقة التي أثبتت جدارتها في الميدان وفي ذلك السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة المسلوبة، وتحويل استضعاف الأمة إلى قوة ضاربة تقتلع النفوذ الصهيوني ووكلائه من المنطقة إلى غير رجعة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

