الإعلام الخليجي لا يصنع الحرية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
الإعلام الخليجي بشكل عام والإعلام القطري بشكل خاص لم ولن يكون سبباً من أسباب الحرية في هذا العالم، بل على العكس، هو أداة من أدوات الاستعباد للأمة العربية.
ومن الغريب، بل ومن المضحك، أن نشاهد القنوات المموَّلة قطرياً وخليجياً وهي تتحدث عن الحرية، بل وتتهم خصومها بأنهم سبب من أسباب العمالة والخيانه، وأنهم سبب في استعباد الشعوب؛ بينما الحقيقة على العكس تماماً، فالمال الخليجي لم يكن يوماً وسيلة للتحرر في هذا العالم.
وقد رأينا كيف صنعت الأموال الخليجية بالشعوب الإسلامية، من اليمن إلى السودان إلى مصر إلى سورية إلى ليبيا، إذ تكاد لا تخلو البلاد الإسلامية من أزمات ومجازر كان السبب وراءها المال الخليجي.
وعندما يأتي الخليجيون ليشتثمروا في الإعلام ويصنعوا لهم قنوات وأدوات إعلامية ووسائل في كل بلد عربي على حدة، فبالتأكيد هذا الإعلام لن يؤدي دوره كوسيلة للتحرر، بل على العكس سيكون سبباً في خدمة المشروع الصهيوني وسبباً في استعباد الأمة.
ولنا أن نشاهد ما يحدث في اليمن؛ فمثلاً الإعلام القطري أو قطر عموماً تموّل عدداً من الوسائل الإعلامية المحلية أو حتى القنوات التلفزيونية، منها: قناة سهيل، وقناة يمن شباب، وقناة بلقيس، وقنوات كثيرة أخرى كلها تعمل تحت جناح الإخوان أو حزب الإصلاح الذي هو فرع جماعة الإخوان في اليمن، وكلها تطبّل لما يسمى بالتحالف العربي بشقّيه السعودي والإماراتي، وكلها هتفت باسم الاحتلال السعودي الإماراتي لليمن، وكلها أيدت العدوان الصهيوأمريكي على بلادنا من بعد طوفان الأقصى، وكلها كانت تزعم أن الأمريكيين وحتى الغارات الصهيونية ستكون سبباً في تحررهم المزعوم كما كانوا يروجون طيلة فترة الأشهر والسنوات الماضية منذ اندلاع طوفان الأقصى وحتى اليوم، ومن قبل ذلك التاريخ ومن بعده.
لأن الخليج لا يدفع أمواله عبثاً، وكما رأينا مهما اختلفت الأنظمة الخليجية فيما بينها، إلا أنها دائماً مجتمعة على خدمة المشروع الصهيوني وعلى خدمة السيد الأمريكي.
وبالتالي مهما اختلفت الأدوات، سواء كانت سعودية أو إماراتية أو قطرية، ومهما اختلفت فيما بينها، إلا أنها تُجمع على خدمة الأهداف الأمريكية في المنطقة، ومنها المشروع الصهيوني.
وأول هدف لها هو ضرب كل خطوات وكل مشروع من شأنه أن يحرر الأمة الإسلامية، وفي مقدمتها القدس والقضية الفلسطينية.
ولذلك قد تتظاهر بعض الوسائل الإعلامية الموالية لقطر بأنها تقف إلى جانب غزة وإلى جانب الشعب الفلسطيني، ولكنها في الوقت نفسه تهاجم كل حركة تدعو إلى تحرير فلسطين، وكل شعب وكل أمة لها موقف مشرف من القضية الفلسطينية، وفي المقدمة الجمهورية الإسلامية في إيران التي لها مواقف عظيمة جداً في خدمة القضية الفلسطينية؛ فنرى قناة الجزيرة وكل الإعلام المؤيد لقطر يشنّع بإيران ويشيطنها ليلاً ونهاراً، لا لسبب إلا أنها تخدم القضية الفلسطينية.
وكذلك الحال في سورية؛ لماذا شنوا كل هذا العدوان الكوني على الجمهورية العربية السورية إلا لأن سورية لم تعترف بالكيان الصهيوني، وكان لها مواقف مشرفة من حركات المقاومة الإسلامية بما في ذلك حركة حماس وحركة الجهاد اللتان هما فرعان لجماعة الإخوان؟
والحال نفسه في اليمن؛ حيث تحرك الإعلام القطري لإحداث فوضى كبيرة جداً ولتبرير كل عدوان على الشعب اليمني، بداية من العدوان السعودي وانتهاءً بالعدوان الصهيوأمريكي على بلادنا.
وما كانت تخفيه قناة الجزيرة كانت تجاهر به القنوات المموَّلة قطرياً مثل قناة بلقيس وقناة سهيل ويمن شباب وغيرها من وسائل الإعلام والنشطاء الموجودين في قطر أو في تركيا والمحسوبين على التيار نفسه الذي يخدم في الأخير الأهداف الصهيونية.
أما عن الخلاف القطري الخليجي أو القطري السعودي أو الإماراتي السعودي، فكما ذكرنا دائماً ونجدد، فإن هذا يأتي في إطار قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}، في الأخير هذا الطرف وذاك الطرف مطبّعان مع الصهيونية؛ قطر طبّعت قبل الإمارات وهي أسوأ بكثير منها.
وما بينهما من تسابق يأتي في إطار إرضاء السيد الأمريكي، وقد اعتاد الصهاينة ومن قبلهم الإنجليز وكل دعاة الصهيونية على العمل على محورين في هذا العالم، كما رأينا من قبل في مطلع القرن العشرين عندما كانت بريطانيا تعمل على توطين اليهود في فلسطين، حيث كان لديها مكتبان أحدهما في مومباي بالهند والآخر في القاهرة.
فمن خلال مكتب القاهرة وظّفت الشريف حسين الذي كان شريف مكة ما قبل عشرينيات القرن الماضي، وعن طريق مكتبها في الهند في مومباي وظّفت عبد العزيز آل سعود، ومن خلال هاتين الشخصيتين أحدثت فوضى كبيرة في الوطن العربي، ثم سلمت الأمر لابن سعود وتسببت في هلاك الآخر لمجرد أن ابن سعود كان أكثر حرصاً على المشروع الصهيوني وأنه قبل بالتنازل عن فلسطين لليهود، وله في ذلك اعترافات موثقة وخطية.
ولذلك ما ينبغي أن نتذكره دائماً هو أن المال الخليجي لم ولن يكون سبباً في حرية الأمة، وكل ناشط وكل وسيلة إعلامية تتلقى أموالاً خليجية فهي تصب في مصلحة أعداء الأمة، وهي تسعى وهم يسعون لأن تُستعبد الأمة.
والقائمة طويلة جداً تبدأ من اليمن وتنتهي بمعظم الأقطار العربية، وللأسف هذه القنوات وهؤلاء الإعلاميون هم من ينظّرون عن الحرية وعن حقوق الإنسان وعن القضية الفلسطينية، في الوقت الذي هم فيه سبب في ضياع فلسطين.
رأينا كيف كانت الجزيرة تموّل الإرهابيين في سورية بالمال والسلاح والإعلام، ولكنها في فلسطين كانت فقط تتباكى عليهم بالإعلام، ولو أرادت أن تفعل كما فعلت بسورية لما بقيت إسرائيل على الخارطة.
وهذه هي خلاصة الأمر، بأنه كما قال الله سبحانه وتعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا}، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}."
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

