أوروبا على أبواب شتاء قاسٍ: 100 مليار يورو فاتورة حرب إيران وإغلاق هرمز
السياسية - تقرير :
تدخل أزمة الطاقة الأوروبية مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا مع اقتراب الشتاء، في ظل تراكم صدمتين متتاليتين: الحرب الروسية الأوكرانية منذ 2022، والعدوان على إيران وإغلاق مضيق هرمز منذ يونيو الماضي.
وتشير كل المؤشرات إلى أن القارة مقبلة على شتاء هو الأصعب منذ السبعينيات، وسط تحذيرات من نقص حاد في الديزل وارتفاع أسعار الوقود بنسبة 50% في بعض الدول.
وقالت مصادر إعلامية، إن واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال بدأت ترتفع قبيل الشتاء، إذ تهدد الاضطرابات المطولة عبر مضيق هرمز بتصعيد المنافسة العالمية على الوقود. وبحسب بيانات تتبع السفن، فإن الشحنات الواصلة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تقل بنحو 4% عن مستوياتها قبل عام وفق متوسط 30 يوما، لكنها ارتفعت بشكل ملحوظ منذ أوائل أغسطس حين كانت الواردات أقل 30% من العام الماضي.
ومن المتوقع أن تستحوذ أوروبا على نحو ربع إمدادات الغاز المسال العالمية في سبتمبر، ارتفاعا من أقل من 19% في يوليو، وفق شركة كبلر. ويأتي هذا الارتفاع الاضطراري بعد غياب شبه كامل لإمدادات الخليج الذي كان يوفر نحو خُمس الإمدادات العالمية قبل العدوان على إيران، ما دفع الأسعار لأعلى مستوى منذ أواخر 2022.
وفي اجتماع وزراء الطاقة الـ27 في دبلن، أمس الثلاثاء، كشف مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن، أن الاتحاد أنفق هذا العام أكثر من 100 مليار يورو إضافية على واردات الطاقة، دون الحصول على جزيء إضافي واحد من الغاز أو النفط.
ووصف الوضع بأن "الأوقات صعبة"، داعيا الدول لملء مخزونات الغاز إلى 80% على الأقل وخفض الطلب وتسريع التحول إلى الكهرباء.
الديزل في صدارة المخاوف
ويبرز الديزل كأكثر مصادر القلق. وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، إن أوروبا مقبلة على "شتاء صعب للغاية"، مشيرًا إلى أن نحو نصف إمدادات الديزل تأتي مباشرة من الولايات المتحدة، ما يجعلها الأكثر تعرضا للمخاطر.
وأكد بيرول، أن الوكالة تراقب الأسواق عن كثب، وقد تناقش إطلاق احتياطيات النفط الاستراتيجية.
ويأتي ذلك بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقييد صادرات الديزل لحماية السوق الداخلي، وهو ما أثار ذعرا في الأسواق الأوروبية، رغم تشكيك وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، في جدوى الحظر.
وقال مسؤولون أوروبيون إنهم لا يتوقعون حظرا أمريكيا لمدة 90 يوما لكنهم يستعدون لسيناريو ارتفاع الأسعار.
منافسة شرسة مع آسيا والهند
في ظل شح المعروض، تحتدم المنافسة بين أوروبا وآسيا على نفس الإمدادات الأمريكية. وتأتي الهند ضمن أبرز المنافسين، إذ يرتفع الطلب هناك مع تقييد الطقس الجاف للطاقة الكهرومائية واحتياج مصانع الأسمدة لمزيد من الغاز.
ومن المنتظر أن ترتفع الواردات الهندية 10% في سبتمبر، ويواصل المشترون الهنود اقتناص الشحنات الفورية حتى بأسعار تتجاوز عتبة الشراء المعتادة.
وفي مواجهة الضغوط، تتحرك بروكسل لتأجيل تطبيق قواعد الميثان الجديدة المقررة في يناير 2027. وبحسب القواعد، يتعين على منتجي النفط والغاز مراقبة انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها، وإلا واجهوا غرامات تصل إلى 20% من الإيرادات.
وتطالب فرنسا و12 دولة أوروبية أخرى إلى جانب أمريكا، أكبر مورد للغاز المسال إلى أوروبا، بتأجيل القواعد من عام إلى ثلاثة أعوام لتجنب تضييق قاعدة الموردين في وقت الشح.
أزمة فرنسا والرهان الجزائري المؤجل
وتواجه فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد، واحدة من أصعب موجات الضغط الطاقوي. وأقر الرئيس إيمانويل ماكرون، في اجتماع بالإليزيه بأن الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق هرمز خلفت "عواقب مباشرة" على الفرنسيين، وأن أسعار الوقود بلغت مستويات تاريخية.
ورغم أن باريس كان بإمكانها الاستفادة من الجزائر بحكم قربها الجغرافي وقدراتها الإنتاجية وشبكاتها المباشرة عبر أنبوبي "ميدغاز" الرابط بإسبانيا و"ترانسميد" الرابط بإيطاليا، إلا أن لجوء باريس للجزائر لا يبدو ضمن خيارات ماكرون حاليًا بسبب التوتر السياسي بين البلدين.
وأكدت رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر سيغولين روايال، لقناة الجزائر الدولية أن الحكومة الفرنسية تعتبر "معاداة الجزائر" أو "ألجيرو-فوبيا" استراتيجية انتخابية حقيقية لجزء من الطبقة السياسية من "النيوكولونياليين" استعدادا للرئاسيات، مشيرة إلى أن فرنسا هي البلد الوحيد في أوروبا الذي لديه علاقات سيئة مع الجزائر.
في المقابل، تعزز الجزائر مكانتها كمورد موثوق وآمن للغاز إلى أوروبا، في وقت تبحث فيه القارة عن بدائل مستقرة بعيدًا عن صدمات هرمز والصراعات الجيوسياسية، لتجد نفسها تدفع فاتورة حربين في آن واحد: حرب أوكرانيا وحرب هرمز.
المفوضية الأوروبية وطمأنة الأسواق
وترى الكاتبة رندة تقي الدين، أنه بينما تحاول المفوضية الأوروبية طمأنة الأسواق وتؤكد قدرتها على رفع التخزين إلى 80%، فإن المخاطر مرتفعة بسبب تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط واضطرابات الإنتاج في مناطق أخرى مثل أستراليا، خاصة بعد تقليص أوروبا وارداتها من الغاز الروسي منذ حرب أوكرانيا واعتمادها المتزايد على الغاز المسال المستورد بحرا.
وتضيف تقي الدين، في مقال بصحيفة الراية القطرية، أن المشكلة الأساسية تتمثل في نقص المعروض العالمي من الغاز المسال، حيث دخلت أوروبا في منافسة مباشرة مع آسيا التي تضررت أكثر بسبب اعتمادها الكبير على الغاز القطري، فرفعت عروضها لجذب الشحنات وحولت بعض الحمولات التي كانت متجهة لأوروبا نحوها. وانعكس ذلك على أسعار الغاز والكهرباء في أوروبا، وكانت ألمانيا، أكبر سوق للطاقة في الاتحاد، الأكثر تأثرا بارتفاع أسعار الكهرباء نحو 50%، في وقت تحاول الصناعات احتواء تكاليف الطاقة.
ورغم حدة الارتفاع، ترى الكاتبة، أن الوضع الحالي يختلف عن أزمة 2022، التي أعقبت قطع الغاز الروسي، حيث كانت الصدمة مفاجئة والأسعار قياسية، أما اليوم فالأسعار أقل حدة بفضل تطور الطاقة الشمسية والرياح وتوسيع قدرات استقبال الغاز وتنويع الموردين. لكن التحول لم يصل بعد للاستغناء عن الوقود الأحفوري، فلا تزال ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا تعتمد على الغاز في الصناعة والتدفئة والكهرباء، وسيبقى مسار الحرب ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز وبرودة الشتاء المقبل العوامل الحاسمة في تحديد ما إذا كان الارتفاع مؤقتًا أم بداية أزمة طاقة جديدة.

