السياسية - وكالات:

تستيقظ الطفلة لميس علاء الهسي (9 أعوام) باكراً كل يوم اثنين، تحمل صورة والدها المفقود وتمضي برفقة والدتها خلود من بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، في رحلة طويلة نحو مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غرب مدينة غزة.


تقطع لميس ووالدتها المسافة سيراً على الأقدام تارة، وعلى عربة تارة أخرى، للمشاركة في الاعتصام الأسبوعي الذي ينظمه أهالي الأسرى أمام مقر الصليب الأحمر.


وما إن تصل إلى هناك، حتى تبدأ رحلة بحث أخرى، متنقلة بين أهالي الأسرى والمحررين، تسألهم عن والدها، علّ أحدهم رآه أو سمع عنه خبراً في سجون العدو، يطمئن قلبها الصغير.


تقول لميس بصوت تختلط فيه براءة الطفولة بمرارة الفقد لمراسل صحيفة "فلسطين": "أشتاق إلى والدي، ولا أعرف أين هو، هل هو معتقل أو ماذا؟ وإذا كان معتقلا، ما الذنب الذي ارتكبه؟ وتضيف: "نحن بحاجة شديدة إليه".


وتابعت بحزن: "فقدت والدي في وقت تحتاج فيه الأسرة إلى وجوده، خصوصًا بعد تدمير منزلنا خلال حرب الإبادة الجماعية، واضطرارنا إلى النزوح والعيش في خيمة لا تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية".


وأردفت: "منذ الصباح نجمع الحطب ونبحث عن المياه كي نشرب ونستحم أنا وإخوتي الثلاثة".


وتساءلت لميس: أين العالم؟ وأين المؤسسات التي تتحدث عن حماية الطفولة مما يتعرض له أطفال قطاع غزة؟ ووجهت الطفلة نداءً إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الدولية، مطالبة إياها بالعمل من أجل الكشف عن مصير والدها، والإفراج عنه إن كان معتقلاً في سجون الاحتلال والسماح له بالعودة إلى أطفاله وعائلته.


بجوارها تقف والدتها خلود، التي باتت تتحمل وحدها مسؤولية رعاية أربعة أطفال، لارا (10 أعوام) ولميس (9 أعوام) ووديع (6 أعوام) ومحمد (5 أعوام).


تقول خلود لـ"فلسطين": إن أبناءها يسألونها يوميًا عن والدهم، ومتى سيعود إليهم، مشيرة إلى أن نجلها الأصغر محمد ابن الخمسة أعوام، أكثر تعلقًا بوالده ولا يكاد يمر يوم من دون أن يسأل عنه.


وتشير إلى أن زوجها اعتُقل في الرابع من يناير 2025، في الشمال الغربي من قطاع غزة، في أثناء محاولته جمع الحطب لأسرته التي تعتمد عليه في الطهي والتدفئة، وفق ما أخبرها به أحد المواطنين.


وأوضحت أن أحد الأسرى الذين أُفرج عنهم قبل أشهر، كان قد التقى بزوجها في سجون العدو، وأبلغها أنه بعد اعتقاله نقل إلى معتقل "سديه تيمان"، تعرض لأشكال من التعذيب والمعاملة القاسية. ومنذ ذلك الحين، وفق خلود، لا تعرف شيئًا مؤكدًا عن مصير زوجها أو مكان اعتقاله، ولا تملك سوى الانتظار والسؤال والبحث عن أي معلومة يمكن أن تطمئنها وأطفالها.


وتخشى الأم، وعلامات الحزن بارزة على وجهها، على حياة زوجها وصحته خصوصًا أنه يعاني مرض السكري وبحاجة إلى الأدوية بصورة يومية ومنتظمة، مطالبة المؤسسات الدولية والحقوقية بالتحرك العاجل لحماية الأسرى، وضمان حصولهم على العلاج والرعاية اللازمة، والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسرًا.


وتمضى بالقول: "غيابه ترك فراغًا كبيرًا في الأسرة، وأصبحت الآن الأم والأب في الوقت نفسه، وأتحمل مسؤولية أطفالي الأربعة، ونحن نعيش في خيمة بعد تدمير منزلنا".


وتكمل أن الخيمة لا تقي أطفالها برد الشتاء ولا حر الصيف وأنها تخشى من أن يفاقم الشتاء المقبل معاناتهم في الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها.


وعلى الرغم من كل ذلك، تواصل خلود اصطحاب ابنتها إلى مقر الاعتصام كل يوم اثنين، بحثًا عن إجابة طال انتظارها، مشيرة إلى أن حضورها المتكرر إلى الاعتصام بات وسيلتها الوحيدة للقاء الأسرى المحررين وسؤالهم عن زوجها، لعل أحدهم يكون قد التقاه أو يحمل عنه خبرًا يبدد شيئًا من مخاوفها.


وتؤكد أن زوجها رجل مدني، مطالبة الجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار والمجتمع الدولي بالعمل من أجل الإفراج عنه وعن بقية الأسرى وضمان حقوقهم الإنسانية والقانونية.


ويتجاوز عدد الأسرى في سجون العدو الإسرائيلي بحسب مؤسسات الأسرى، 9600 أسير وأسيرة حتى منتصف عام 2026، بزيادة كبيرة مقارنة بالأعداد المسجلة قبل اندلاع حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023.


وتتهم هذه المؤسسات العدو بارتكاب انتهاكات بحق الأسرى تشمل الاقتحامات والاعتداءات والإهمال الطبي وسط تردي أوضاعهم الصحية والمعيشية، والحرمان من بعض الاحتياجات الأساسية، مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بتحمل مسؤولياتها تجاه المعتقلين.