السياسية || محمد محسن الجوهري*

لم تكن السعودية يوماً سيدة نفسها وكان القرار دوماً يأتي من واشنطن وتنخرط فيه مغامراتها حتى لو كانت على حساب سمعة المملكة ومصالحها، وما العدوان السعودي على اليمن في مارس 2015 إلا تجلياً لانعدام السيادة السعودية وانخراط الرياض في المشروع الصهيوني بلا أي خطوط رجعة، فقد جاءت استجابة لإملاءات ودوائر القرار في واشنطن والعواصم الغربية التي تحرك الأنظمة العربية وفق مصالحها الاستراتيجية، غير عابئة بما تخلفه تلك المغامرات من دمار وخراب وإهدار لثروات الشعوب وسمعة الدول.

ومنذ أن آلت مقاليد الأمور الفعلية وصناعة القرار الاستراتيجي إلى محمد بن سلمان، وجد الرجل نفسه محاصراً داخل شبكة من المعضلات المعقدة التي وضعت مستقبله السياسي وطموحه المطلق في الوصول إلى عرش المملكة على المحك. فالرجل الذي سعى لتقديم نفسه بصيغة القائد الحازم والقوي وجد أن استمرار مغامرته في اليمن أو الخروج منها كلاهما يمثلان خطراً داهماً يتهدد شرعيته ووجوده السياسي، ليصبح الحاكم وبلاده رهينة لمعادلة قاسية قوامها الاستمرار في الوحل أو خسارة الحلم الملكي للأبد.

الخيار الأول الماثل أمام محمد بن سلمان هو الاستمرار المكابر في حرب الاستنزاف المفتوحة ومحاولة فرض السيطرة بالقوة، وهو خيار ينطلق من هواجس الخوف المطلق من الاعتراف بالهزيمة والفشل العسكري المريع أمام القوات اليمنية التي أثبتت التجارب عجز الترسانة السعودية الأمريكية عن كسر شوكتها. فالتوقف المفاجئ دون تحقيق نصر حاسم أو هدف معلن سيقوض شرعية ولي العهد الداخلية والخارجية، وسيظهر القيادة الشابة بمظهر الضعيف الذي يخضع للضغوط، وهو ما لا تقبله أدبيات السلطة المطلقة التي يحاول تكريسها.

لذلك، يستمر النظام السعودي في إغراق مقدرات البلاد في هذا المستنقع عبر صفقات تسليح خيالية وموازنات هائلة تُهدر بلا هدن، بينما يواجه العمق السعودي تهديدات وجودية تمس المنشآت النفطية والاقتصادية الحيوية التي باتت عرضة للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. هذا الاستمرار الأعمى لا يعني سوى إهلاك الحرث والنسل وإبقاء مقدرات المملكة مرهونة للخارج، طالما أن القرار مرتبط بالرغبة الأمريكية في استنزاف الطرفين وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم تبرر الوجود الغربي وصفقات الأسلحة الباهظة.

وفي ظل هذا الخيار، يتحمل الشعب اليمني ويلات الحصار والتدمير الظالم، بينما يتحمل المجتمع السعودي والأجيال القادمة تبعات الانهيار الاقتصادي وتراجع فرص التنمية الحقيقية، لتظل البلاد أسيرة لقرار أحادي غير مدروس اتخذه ولي عهد يخشى على عرشه من انعكاسات الانسحاب أكثر من خشيته من استمرار الكارثة.

الخيار الثاني المتمثل في الانكفاء والتراجع والذهاب نحو تسوية سياسية استسلامية أو واقعية مفروضة من المنتصر الميداني لا يقل خطورة وكارثية على مستقبل محمد بن سلمان السياسي. لإن الإقرار بالعجز عن حسم الحرب والجلوس على طاولات المفاوضات بشروط الطرف الآخر يعني سقوط هيبة النظام السعودي وسقوط هالة القوة التي حاول ولي العهد تسويقها للداخل والخارج منذ صعد إلى السلطة. إن أي انسحاب غير منضبط أو تخلٍ كامل عن الحلفاء المحليين الذين جندتهم الرياض ودعمتهم سيفهم على أنه هزيمة مدوية ونهاية لمشروع الهيمنة الإقليمية الذي حلم به الأمير الشاب.

هذا الانكفاء سيفقد النظام أهم أوراق القوة والضغط التي اعتمد عليها، وسيفتح الباب واسعاً أمام محاسبة داخلية وخارجية غير مباشرة، حيث ستستغل الدوائر الغربية هذا الفشل لإضعاف موقف ولي العهد وفرض المزيد من التنازلات السياسية والاقتصادية عليه. والتراجع يعني باختصار أن السنوات الماضية من القتل والدمار وإهدار المليارات كانت عبثاً مطلقاً لم تحقق سوى تشويه سمعة المملكة وجعلها عرضة للاهتزاز الأمني والسياسي، وهو ما سيهدد حلمه الأبدي بالجلوس على العرش كملك مطاع، ليتحول إلى ملك فخري أو شخصية محاصرة بالاتهامات والإخفاقات التاريخية التي لا تغتفر، وقد يتعرض للتصفية الجسدية ويتم استبداله بآخر أكثر عمالة، تماماً كما حدث لابن عمه محمد بن نايف.

بهذا يجد ولي العهد السعودي نفسه عالقاً بين سندان الاستمرار في حرب لا يمكن الانتصار فيها ومطرقة الانسحاب الذي لا يمكن تحمل أثمانه السياسية. إن رهن السياسة السعودية للإرادة الأمريكية والغربية لم يجلب سوى الخراب والتراجع، وأثبت أن محاولة بناء الشرعية المطلقة على أنقاض الدم اليمني محكوم عليها بالفشل الذريع. وسواء استمر في الرهان على لغة القوة والعسكرة أو ذهب صاغراً نحو تسوية مريرة تحفظ له ما تبقى من واجهة السلطة، فإن الحقيقة الثابتة هي أن محمد بن سلمان قد غامر بمستقبل بلاده وسمعتها ومقدراتها في معركة لم تكن سوى فصل جديد من تبعية عمياء لسياسات واشنطن التي لا تبقي ولا تذر، ليبقى الشعبان السعودي واليمني يدفعان فاتورة أطماع فردية وهوس بالزعامة الزائفة وسط ركام من الدمار ومستقبل سياسي غامض ومأزوم.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب