السياسية || محمد محسن الجوهري*


تكتظ الساحة العربية بالمنافقين وعبدة المال من مختلف المذاهب والأهواء، ولا شيء يجمع هؤلاء -رغم اختلافهم وخلافاتهم- أكثر من المال السعودي والتسبيح بحمد المملكة ليل نهار؛ حتى لو كان في ذلك التطبيل كفر بما هم عليه من العقائد، مثل أدعياء الجمهورية في اليمن، بدايةً من الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الذي كان يعشق آل سعود حد الثمالة، وعلى استعداد أن يقف على أبوابهم لساعات وأيام فاغراً فاه، رغم ما يظهره من بطش وكبرياء بحق رعيته والناس من حوله في صنعاء وعمران.

ومن بعد الأحمر الكبير يتزاحم سائر المرتزقة على أبواب المملكة ويتنافسون فيما بينهم، وبمجرد أن تنقطع مصالحهم سرعان ما يرتدون عنها ويبدؤون بابتزازها، خاصة جماعة الإخوان بعد أن وجدوا في المال القطري متنفساً يغنيهم عن الشحاتة على أبواب آل سعود؛ فمن المستحيل على حزب الإصلاح أن يهاجم السعودية لولا توفر مصادر أخرى للارتزاق، فيما لا يجد مرتزقة اليسار اليمني من ناصريين واشتراكيين إلا المؤسسات الإلحادية (كذا) لتعوضهم في حال أي انقطاع مفاجئ للمال السعودي.

وما يميز هؤلاء جميعاً أنهم -وأثناء الضخ السعودي- يبالغون في كيل المديح لآل سعود بطريقة مبتذلة، ولو على حساب ما يدعونه من مبادئ، مثل قضية "الجمهورية" التي يتغنون بها من الرياض، أو قضية الشهيد إبراهيم الحمدي الذي يعلمون أن الرياض نفسها هي من قتلته، ومع ذلك يبقون على خلافٍ دائم بعضهم مع البعض، ويتحاسدون فيما بينهم حسد المرأة على ضرتها. وهنا نتذكر كيف تفاقم الخلاف بين عفاش والشيخ الأحمر بعد أن أدرك الأخير أنه فقد قيمته مع آل سعود بعد توقيع اتفاقية جدة عام 2000، والتي تقاضى بموجبها عفاش إعاشة سنوية تعادل خمسة أضعاف ما كان يتلقاه الشيخ، رغم أنه الرجل الأول للمملكة في اليمن والمسؤول عن تدجين غيره من المشايخ.

وهذه الظاهرة تنتشر في أغلب البلاد العربية، وبات لكل قطرٍ منها نسخته الخاصة من الشيخ الأحمر؛ ففي لبنان مثلاً هنالك آل الحريري، ثم يأتي من بعدهم طابور من الجوعى ضمن قائمة طويلة تشمل رجال دين وسياسيين من مختلف الطوائف بما فيهم المسيحيون، والأطرف أن المسيحي الموالي للسعودية يستطيع أن يتوسط لأي مسلم لبناني حتى يتسنى له الحج أو العمرة، وهذا من هوان الإسلام والمسلمين عند آل سعود.

وفي مصر يتصدر شيخ الأزهر القائمة مستغلاً غضب السعودية على الإخوان، وهو الغضب الذي من خلاله وصل السيسي إلى السلطة بمباركة الرياض التي تخلت عن تحالفها التاريخي مع الإخوان لأسباب لا نعلمها منذ العام 2011، رغم تمويلها لكل إجرامهم في سوريا واليمن، لكن ذلك التمويل بات يقتصر على الجناح المسلح دون غيره، وبات للسياسة أدوات جديدة محسوبة على مشيخة الأزهر، رغم علمنا أن نظرة الوهابية للأزهريين لا تختلف عن نظرتهم للشيعة، ويرون جواز قتلهم لأنهم كفار، حسب معتقداتهم المحرفة.

وفي الخلاصة، يكشف هذا المشهد المتكرر عن حقيقة تهافت القوى السياسية والدينية التي ارتضت لنفسها أن تكون أوراقاً بيد الرياض؛ حيث تسقط كافة الدعاوى والعداوات الظاهرة لتبقى التبعية المالية هي الموجه الحقيقي لمواقفهم وتكتلاتهم. وإذا كان آل سعود يتعاملون مع هذه القوى بمنطق الأدوات التي يُستغنى عنها أو يُستبدل بها غيرها كلما اقتضت المصلحة، فإن هؤلاء المرتزقة يثبتون في كل مرحلة أنهم لا يملكون مشروعاً وطنياً ولا قضية مبدئية، بقدر ما يمارسون الارتزاق كمهنة تتأقلم مع كل مرحلة، ولا يجمعهم سوى الحفاظ على تدفق الدعم والسباق على خطف حظوة النفوذ السعودي.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب