السياسية || علي مجمل حمزة*

لقد نجحت المملكة المتحدة في تصدير النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي احتاجتها لتوسيع نفوذ إمبراطوريتها، عبر نقلهم إلى الأراضي المكتشفة في القارة الأمريكية لتأسيس المجتمع الحديث المبني على الرأسمالية والديمقراطية.

هذه القارة التي أُبيدت حضارتها الأساسية لكي تنشأ الولايات المتحدة الأمريكية، لتتحول بدورها إلى الذراع الضاربة للنموذج الغربي والوارث الشرعي لأساليب الإمبراطورية العجوز، ولكن بإصدار حديث يناسب آليات السيطرة الجديدة، وأخذ الثروات من الأراضي المستهدفة عبر تصدير النظريات والأساليب التي تخدم مصالح الرأسمالية بطرق حديثة، بعد أن استقرت ونظمت بنيتها الاستعمارية، وجَهّزت المؤسسات الداعمة لتثبيت نهجها .

ومن أجل ذلك كان عليها تأسيس مجتمع يحمل الفكر الجديد ووضعه في الأرض العربية (والتي تحمل أكبر مخزون من الثروات الطبيعية)، حين تم الموافقة على تجميع كل اليهود في العالم وتوطينهم في الأراضي الفلسطينية بحجة لا وطن لهم، بقرار خرج من لندن (عبر وعد بلفور الشهير عام 1917، والذي تجسد في رسالة رسمية وجهها وزير الخارجية البريطاني إلى اللورد روتشيلد أحد أقطاب رأس المال واللوبي الصهيوني، ليدعم قيام هذا الكيان ويحظى بعدها بالتأييد الأمريكي والغربي، ثم يُفرض على العالم بشرعنة ومصادقة من عصبة الأمم).
هنا تمكن النفوذ البريطاني بتأسيس إسرائيل وتمكينها من الأرض عبر الوكلاء الداعمين لهذا التواجد من الدول العربية الموالين للنفوذ الأمريكي.

بعد تنفيذ هذا الجزء من المؤامرة، كان لابد من زرع حليف من نفس النسيج المجتمعي في المنطقة نفسها. لقد تمكنت الأم العجوز من البحث عن الحلفاء الموالين لتواجدها عبر دعم أقليات قبلية مناهضة للتواجد العثماني في الوطن العربي بخطط ممنهجة ودعم طموحات هذه الأقليات التي من خلالها تم رسم الحدود الجديدة للحلف بمعاهدات مهدت لصعود آل سعود بدولة حديثة عربية موالية بالخفاء للأم الراعية البريطانية، لتكتمل بذور الثمار المغروسة لخدمة الهيمنة الاستعمارية الجديدة.

في ذات الوقت، وبعد تراجع السيطرة للأم العجوز (بريطانيا) ، كان لابد من تسليم راية الوصاية بسلاسة إلى الذراع الضاربة (أمريكا) لتتغير طريقة السيطرة على الدول عبر زرع حكام موالين، ولتحصد الثمار المغروسة بشكل ينسجم والمرحلة بغطاء وحماية أمريكية، ورأس مال ونفط خليجي يغذّي الشرايين الرأسمالية، وقوة ردع صهيونية زُرعت في القلب لترهيب كل من يفكر في الخروج عن هذه المنظومة، لتبدأ مرحلة استنزاف الثروات وسلب إرادة الشعوب دون الحاجة لخوض معارك أو تحريك جيوش أجنبية على الأرض.

وفي ظل هذا الاستحكام الممنهج للسيطرة ونهب الثروات، وقهر الشعب الفلسطيني الأكثر تضرراً، بدأت تظهر الأصوات والحركات المناهضة لقوى الاستعمار. فاضطرت هذه القوى إلى تغيير أساليبها، عبر حياكة المؤامرات وإشعال الصراعات بين دول وشعوب المنطقة، لإغراقها في حروب استنزافية لطاقاتها وكوادرها البشرية، لتأمين المحتل والغاصب الصهيوني وضمان بقاء هذه الهيمنة.

أدركت الشعوب حجم المؤامرات التي حيكت ضدها. وعندما ظنت قوى النظام العالمي أنها تسير بموجة احتلالها الخفي وتستنزف ثروات الأمة بنجاح، خرجت حركات منتظمة قامت بتنمية الفكر لدى الشعوب وتصحيح مساراته المغلوطة. ومن هذه الأمم المناهضة تشكّلت قوى عسكرية استطاعت تغيير الخارطة المرسومة التي بدأت تُفرض على أرض الواقع، مدركة للخطة التي تمثلت خلاصتها في توسيع واستقطاع الأراضي لإنشاء ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، وهو المشروع الذي اجتمعت لأجله القوى العالمية للوصول إلى هذه الخاتمة المشؤومة.

ولأن هذه الحركات المناهضة انطلقت من تحت الأنقاض والهزائم المتكررة الناتجة عن الخذلان، استطاعت أن تبني لنفسها منظومة عسكرية منظمة، ودربت عقولاً صنعت الترسانة العسكرية والصاروخية والطيران المسير، حتى وصلت إلى كسر كبرياء النظام العالمي المتغطرس، وانتقلت من وضع المدافع إلى موقع المهاجم الذي يفرض سيطرته في الميدان، والمستمر في دحر المعتدي حتى إنهاء وجوده.

إننا نتحدث هنا عن قوى الردع والسيطرة والمواجهة، المتمثلة في "محور المقاومة" (أنصار الله، حزب الله، الحرس الثوري، الحشد الشعبي، والمقاومة الفلسطينية)؛ هذا المحور الذي وُجد ليكون الرد التاريخي والعملي لإسقاط مشروع الهيمنة وتفكيك ثمار الاستعمار.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب