أم الحسنين الزايدي*




في أول أيام شهر جمادى الأول، ومع بدء نسمات الهواء الباردة، تهب رياح "أسبوع الشهيد" لتشعل ذلك الجمر الذي دُفن في القلوب؛ وهو الشوق لمن فقدناهم. ذلك الشوق الذي يحترق داخل الإنسان بينما يتظاهر بالبرود في خارجه، ويبقى أثر ذلك الفقد يلازمه بشكل أبدي.

والفقد هو شعور مؤلم لايستطيع أي إنسان التعبير عنه، وعن ذلك الفراغ الذي يخلفه فراق الأحبة؛ فمهما تحدث الشعراء أو ألّف الكُتّاب، لن يصلوا أبدًا إلى ما يشعر به الفاقد. ولكن الأعظم من ذلك هو الشوق لمن رحلوا؛ إذ إنه يشبه تقطيع جسد الإنسان حياً وهو يشعر بالألم، لكنه لا يستطيع إيقافه.

لأن من غابوا عنا ليسوا أشخاصًا عاديين نستطيع نسيانهم، بل هم أقرب الناس؛ ففي كل فرح نشتاق لوجودهم ليشاركونا أفراحنا ويواسوننا في أحزاننا، ونتمنى أن نراهم مع كل مرض ليخففوا آلامنا. وفي كل نجاح لا يخطر في البال سواهم، ومع كل نصر نتمنى لو أنهم بيننا. لكن، ما يريح القلوب رغم أوجاعها، أنهم رحلوا في طريق الشهادة، شهداء أعزاء كرماء من أجل الحرية والاستقلال.

ورغم الفخر بعظمة تضحيات شهدائنا في أسبوع الشهيد، إلا أن ذلك الشعور يمتزج بمشاعر الفراق والشوق لرؤيتهم بعد طول الغياب. وفي معارض الشهداء التي تُزيّن روضاتهم، وزيارات أهاليهم، وتقديم الهدايا وشهادات الشكر في المراسم التي يقوم بها المسؤولون، يشعر الجميع بالراحة لتقديم واجبهم نحو هذه الأسر العظيمة.

إن أسر الشهداء- وأنا واحدة منهم- نشعر بعكس مشاعرهم تماماً، إذ نتمنى لو أن هؤلاء الزائرين هم شهداؤنا الذين نرجو رؤيتهم ولو مرة واحدة كل عام في أسبوع الشهيد الذي يشعل في قلوبنا الشوق الذي نحاول تهدئته طوال العام، ليس نسياناً لهم، فمثلهُم لا يُنسون ولو مرت على رحيلهم دهور، وإنما هي محاولة منا للتعايش مع الواقع المرير الذي نكابده بعد فقدهم.

وهذا العام، يتزامن أسبوع الشهيد مع انتصارات قواتنا المسلحة في كل الجبهات بفضل الله وقوته لتفرح قلوبنا الموجوعة، وتبدّل مشاعرنا الحزينة فرحاً، وتُعيد الأمل بكل قلوب أسر الشهداء، ففي نيل الثأر سعادة لكل محزون.
الرحمة لشهداؤنا، والشفاء العاجل لجرحانا، والفرج لقريب لأسرانا، والنصر للمجاهدين في كل جبهات المحور.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب