السياسية - وكالات:






لم يحمل أطفال عائلة أبو الوادي في قرية الضحية بالنقب المحتل، بعد عودتهم من مدارسهم، أحلامهم الصغيرة إلى غرفهم التي اعتادوها، بل وجدوا منازلهم ركامًا، وأسرهم بلا مأوى، بعدما حوّلت جرافات العدو الإسرائيلي قريتهم إلى أنقاض، في مشهد اختلطت فيه براءة الطفولة بقسوة التهجير وفقدان الأمان.

لم تعد الحقائب المدرسية سوى شاهد على يوم انقلبت فيه حياة العائلات رأسًا على عقب؛ فبدلًا من أبواب المنازل التي احتضنت ذكرياتهم، باتت الخيام ملاذهم الوحيد، وسط مخاوف من تجدد عمليات الهدم وتشريد مزيد من السكان.

وصباح الاثنين، دمّرت جرافات العدو الإسرائيلي نحو 80 منزلًا في القرية، التي تقطنها عائلة أبو الوادي، مشرّدة نحو 600 فلسطيني، غالبيتهم من الأطفال والنساء وكبار السن، كما طالت عمليات الهدم المسجد ومرافق التجمع، واقتُلعت الأشجار، وفق إفادات الأهالي.

ويروي المواطن عدنان أبو وادي لوكالة (سند للأنباء) الفلسطينية، أن أسرته المكونة من ستة أفراد، بينهم أربعة أطفال، فقدت منزلها الذي ورثه عن والده وجده، رغم محاولات الأهالي الحصول على تراخيص بناء على مدار أربع سنوات، مؤكدًا أن العائلات وجدت نفسها مضطرة إلى الاحتماء بالخيام، رغم خشيتها من تجدد عمليات الهدم.

ويؤكد أبو وادي أن ما جرى يتجاوز تدمير المنازل إلى استهداف وجود الفلسطينيين على أرضهم، مشددًا على تمسك الأهالي بالبقاء ورفضهم الرحيل، رغم الخسائر والمعاناة التي خلّفها الهدم.

من جهته، يرى رئيس المجلس الإقليمي للقرى مسلوبة الاعتراف في النقب، عطية الأعسم، أن هدم قرية الضحية يأتي في سياق استهداف متواصل للتجمعات العربية التي تحرمها السلطات الإسرائيلية من الاعتراف الرسمي والخدمات الأساسية، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات يهدد بتشريد مزيد من العائلات ومحو الوجود الفلسطيني في المنطقة.

ويشير الأعسم إلى أن الأهالي لجؤوا إلى المحاكم الإسرائيلية في محاولة لانتزاع حقهم في البقاء، إلا أن رفض التماساتهم، وفق قوله، أسهم في تكريس معاناتهم، بدلًا من توفير الحماية لحقوقهم في السكن والاستقرار.

بدورها، وصفت لجنة التوجيه العليا لعرب النقب هدم المنازل والمسجد واقتلاع الأشجار بأنه تصعيد خطير يستهدف محو القرية، مؤكدة أن الضحية تجمع زراعي عريق ارتبط أهله بالأرض عبر أجيال، وداعية إلى وقف عمليات الهدم والاعتراف بالقرى غير المعترف بها وتوفير المأوى العاجل للعائلات المتضررة.

وتضم منطقة النقب 36 قرية مسلوبة الاعتراف، تحرمها السلطات الإسرائيلية من الاعتراف الرسمي والخدمات الأساسية، فيما تشير معطيات حقوقية إلى أن السلطات الإسرائيلية هدمت أكثر من 27 ألف مبنى في قرى النقب بين عامي 2013 و2024، من بينها 4911 مبنى خلال عام 2024، مقارنة بـ3283 مبنى عام 2023.

وفي قرية الضحية، لا تختصر الحكاية في نحو 80 منزلًا سوّتها الجرافات بالأرض، ولا في عائلات اضطرت إلى الاحتماء بالخيام بعدما فقدت سقوفها؛ بل في أطفال يبحثون عن دفء بيوتهم بين الركام، وأهالٍ يواجهون خطر التهجير متمسكين بأرض ورثوها جيلًا بعد جيل.

قد تُهدم المنازل وتُقتلع الأشجار، لكن أهالي أبو الوادي يتمسكون بحقهم في البقاء، لتظل قصتهم حكاية أرض يرفض أصحابها أن تتحول إلى ذكرى، ووجود يسعون إلى حمايته رغم محاولات اقتلاعه ومحو آثاره.