الخليل تحت نار العقاب الجماعي.. عدوان صهيوني متواصل يحاصر المدينة ويهجّر أهلها
السياسية - تقرير//
ما تشهده مدينة خليل الرحمن الفلسطينية من تصعيد صهيوني غير مسبوق منذ فجر الجمعة، لا يبدو إجراءً أمنياً عابراً عقب العملية البطولية عند حاجز "فرش الهوى" التي أودت بحياة جنديين صهيونيين وإصابة أربعة آخرين، بل هو امتداد للحرب المفتوحة التي يشنها العدو على الوجود الفلسطيني وأرضه ومقدساته، ومحاولة فاشلة لكسر إرادة شعبٍ اختار المقاومة طريقاً للتحرر، واستغلال متكرر للعمليات البطولية لتنفيذ أجندته الاحتلالية، إلا أن كل إجراءات العقاب الجماعي والتهجير لن تزيد الخليل إلا ثباتاً وتمسكاً بخيارها المقاوم.
حصار شامل وتهجير قسري لـ 338 عائلة
وتواصل قوات العدو الإسرائيلي لليوم الثالث على التوالي، اليوم الأحد، عدوانها العسكري الواسع على محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، وسط حصار خانق واقتحامات ومداهمات واعتقالات وتهجير قسري يطال قلب المدينة وأطرافها.
وأفادت مصادر محلية ووكالة "سند" للأنباء، بأن قوات العدو تواصل إغلاق منطقتي الجلدة وعين دير بحة اللتين تبلغ مساحتهما 350 دونماً وفق خرائط جيش العدو، بعد إخلاء أجزاء واسعة منهما بالقوة عبر مكبرات الصوت وإجبار السكان على المغادرة الفورية تاركين منازلهم وممتلكاتهم.
ووفق تقديرات رسمية، فقد ارتفع عدد العائلات المتضررة من العدوان المتواصل منذ الجمعة إلى 338 عائلة، فيما نزحت أكثر من 200 عائلة تضم نحو 2500 مواطن قسراً من منازلهم في منطقتي دير بحة والجلدة، في مشهد تهجير جماعي يعيد للأذهان نكبة 1948.
في فرش الهوى، غرب مدينة الخليل، تجاوز الرد الإسرائيلي على عملية 23 أكتوبر 2026 موقع إطلاق النار إلى مساكن ومنشآت اقتصادية وأحياء سكنية فلسطينية. هدمت قوات العدو- وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان- عمارة تضم ثلاث شقق، ثم استهدفت منشآت ومحال تجارية، بينها شركة للبلاط والسيراميك ومحال لقطع السيارات، وجرفت وخربت نحو سبعة دونمات. وامتدت الإجراءات إلى إخلاء عائلات من مناطق الجلدة وعين دير بحة وإغلاق مداخل المدينة ومحافظة الخليل.
ويقول بيان للهيئة: هكذا اتسع نطاق العقاب من ملاحقة أشخاص إلى ضرب شروط السكن والعمل والحركة لسكان لا تتوقف حياتهم عند موقع الحادثة.
ويضيف :" تكشف جغرافيا الاستهداف أهمية فرش الهوى بوصفها مدخلاً غربياً وشمالياً للمدينة ومنطقة تجمع السكن والنشاط التجاري والاتصال بالطريق الالتفافي. فهدم مبنى هنا يبدد مسكناً أو مصدر رزق، وإغلاق المدخل يعطل حركة أحياء وأسواق وعمال وموردين. وحين يتزامن التدمير مع الإخلاء والاستيلاء على مبانٍ للتمركز العسكري، تصبح العملية تدخلاً واسعاً في استخدام الحيز الفلسطيني: من يقيم فيه، ومن يستطيع الوصول إليه، وكيف تتصل أجزاؤه بعضها ببعض".
ويأتي هذا التصعيد فوق سجل كثيف من الاعتداءات. فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة الخليل خلال أيلول 2026 وحده 272 اعتداءً لقوات الاحتلال والمستوطنين، منها 122 اعتداءً نفذها المستوطنون. كما سجلت 19 عملية هدم طالت 91 منشأة، لتتصدر الخليل محافظات الضفة الغربية في عدد المنشآت المهدومة خلال الشهر. وتضع هذه الأرقام الهدم الأخير ضمن ضغط متواصل على المسكن والاقتصاد والأرض، يتوزع بين المدينة وبلداتها ومناطقها الريفية والرعوية.
وفي سياق جهود إغاثة العائلات المهجرة والمنكوبة، أكد عضو مجلس بلدية الخليل سهيل عاشور، أن المؤسسات الرسمية والأهلية وضعت خطة تدخل طارئة تمتد لـ 96 ساعة لتقديم المساعدات العاجلة وتأمين الاحتياجات الأساسية والغذائية والإيوائية للعائلات المهجرة، في ظل أوضاع إنسانية متفاقمة وانقطاع للخدمات.
وأعلن محافظ الخليل خالد دودين، تشكيل خلية أزمة موحدة تضم بلدية الخليل وقادة المؤسسة الأمنية وأمين سر إقليم فتح وسط الخليل وممثلي المؤسسات الرسمية والأهلية، لمتابعة أوضاع المتضررين وحصر احتياجاتهم وتنسيق جهود الإغاثة واحتواء آثار التهجير القسري، معتبراً ما يجري اعتداءً خطيراً ومحاولة لفرض واقع قسري على الأرض.
20 معتقلاً واعتداءات وحشية على المنازل
وامتدت الانتهاكات لتشمل الاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات واغلاق الطرقات، حيث اعتقلت قوات العدو، اليوم الأحد، 20 مواطناً خلال اقتحامات واسعة طالت أحياء مدينة الخليل وعدداً من بلدات المحافظة، بينهم النائبان في المجلس التشريعي والأسيران المحرران نايف الرجوب وباسم الزعارير، إلى جانب سليم الرجوب ونهاد العواودة وحسام أبو راس وعدد من الشبان بعد مداهمة منازلهم والتنكيل بهم.
وتشهد منطقتا الجلدة وعقبة تفوح استمرار اقتحام المنازل وتفتيشها والعبث بمحتوياتها ووضع أعلام العدو عليها وإشارات حمراء على المنازل التي انتهى تفتيشها، مع الاعتداء بالضرب على المواطنين بمن فيهم أطفال ومسنون لم ينزحوا.
وبحسب مصادر محلية، فإن قوات العدو عززت انتشارها العسكري وأغلقت الطرق المؤدية إلى المدينة والبلدات والقرى والمخيمات وطاردت المواطنين الذين حاولوا الدخول أو الخروج، وفرضت إغلاقاً تاماً منذ عصر الجمعة عزل المدينة كلياً عن محيطها، ضمن سياسة عقاب جماعي ممنهجة.
وأشار المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إلى أن قوات العدو شنت مع ساعات الفجر الأولى حملة اعتقالات في مركز المدينة والبلدات المحيطة ونقلت المعتقلين إلى معسكرات على أطراف المحافظة قرب مخيم الفوار وأخضعتهم للاستجواب والاعتداء والتهديد قبل الإفراج عن بعضهم.
إغلاق المسجد الإبراهيمي
كما طالت الانتهاكات المقدسات الإسلامية، إذ لم يسلم المسجد الإبراهيمي الشريف من العدوان، حيث أكد مديره السابق حفظي أبو سنينة، أن قوات العدو تواصل إغلاقه بشكل كامل منذ يوم الجمعة، ومنعت إقامة صلاة الجمعة فيه وطردت موظفيه ومنعتهم من ممارسة أعمالهم.
وأوضح أبو سنينة لوكالة "سند"، أن المسجد لم يُفتح يوم السبت أمام المصلين في ظل استمرار الإغلاق العسكري الشامل للمنطقة المحيطة به ومنع المواطنين من الوصول إليه، وقال إن المسجد بات أشبه بمعسكر لجيش العدو وسط انتشار مكثف وإغلاق للمداخل.
وحذّر من خطورة استمرار الإغلاق وتحويل المسجد إلى منطقة عسكرية مغلقة، مؤكداً أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً على حرية العبادة وحقوق المصلين وتفاقم حالة التوتر في مدينة الخليل، في ظل استهداف متواصل للمقدسات الإسلامية في الضفة.
في السياق، أكدت هيئة علماء فلسطين، أن ما تتعرض له مدينة الخليل وسائر الضفة الغربية من عدوان صهيوني، يشمل هدم المنازل وتهجير السكان وإغلاق المسجد الإبراهيمي الشريف ومنع المسلمين من الصلاة فيه، يستوجب تحركًا عاجلًا لحماية الفلسطينيين ومقدساتهم ووقف مخططات التهجير.
وأوضحت الهيئة في بيان، أن العدوان تصاعد ليشمل اقتحام الأحياء السكنية وهدم المنازل والمنشآت وإغلاق الطرق والمداخل واعتقال المواطنين وإجبار الآلاف على مغادرة بيوتهم، إلى جانب تهديد آلاف آخرين بالتهجير، في مشاهد تطال العائلات والأطفال والنساء والشيوخ.
وأشارت إلى أن إغلاق المسجد الإبراهيمي الشريف وطرد سدَنته وموظفي الأوقاف ومنع المسلمين من الصلاة فيه يمثل خطوة خطيرة تستهدف إحكام السيطرة الكاملة عليه، مؤكدة أن ما يجري في الخليل والضفة الغربية امتداد لحرب الإبادة على غزة، واستكمال لمشروع ممنهج يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتهجيره منها.
نهب وسلب ممنهج يرقى لجريمة حرب
اتسعت دائرة الانتهاكات داخل المدينة لتشمل السرقات ونهب وسلب مدخرات السكان، حيث كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن وجه آخر للعدوان يتمثل في عمليات سلب ونهب ممنهجة، موضحاً أن جنود العدو نفذوا سرقات لأموال ومصاغ ذهبي ومقتنيات خاصة خلال اقتحام مئات المنازل، وأجبروا السكان على مغادرتها دون السماح بأخذ ممتلكاتهم أو تسليم إثبات بما جرى الاستيلاء عليه.
ونقل المرصد، في بيان اطلعت عليه وكالة "سبأ" ، شهادات ميدانية صادمة، بينها شهادة المواطن "ن. ج" 47 عاماً الذي انتزع منه الجنود حقيبة فيها 6 آلاف دينار أردني (نحو 8460 دولاراً) هي مهر ابنه، وشهادة المواطنة "س. ق" 33 عاماً التي قالت إن الجنود استولوا على مصاغها الذهبي ومبلغ يقارب 200 ألف شيكل (نحو 64 ألف دولار) وأجبروها وزوجها على المغادرة دون إعطائهما أي إثبات.
كما رصد المرصد سرقة مستوطنين لأغنام في منطقة الرهنية بمسافر يطا جنوب الخليل، ضمن اعتداءات متواصلة تستهدف التجمعات الرعوية لحرمان سكانها من مصدر رزقهم وترهيبهم ودفعهم لمغادرة أراضيهم بحماية جيش العدو أو تقاعسه عن التدخل.
وأكد المرصد، أن هذه الوقائع تندرج ضمن نمط موثق للاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين خلال الاقتحامات والحواجز في الضفة، ويتقاطع مع ما وثقه في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وخلال اقتحامات في جنوب لبنان، حيث ظهر جنود يسرقون ويعبثون بممتلكات المدنيين في مقاطع نشروها بأنفسهم.
تحذيرات من تعميم نموذج الخليل
من جهته، حذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، من اتساع نطاق الإجراءات "الإسرائيلية" في الخليل وتزامنها خلال أقل من 24 ساعة، مع إبلاغ بعض السكان بأن القيود قد تستمر ستة أشهر، إلى تحويل هذه التدابير إلى نموذج قابل للتعميم على مدن وبلدات أخرى في الضفة، خاصة في ظل توالي التهديدات بذلك من المستوى السياسي "الإسرائيلي" الرسمي.
وأكد المركز أنه لا يمكن فصل ما يجري في الخليل عن السياق الأوسع لسياسات العدو في الضفة، بما يشمل هدم المنازل وتهجير التجمعات وتوسيع المستوطنات وفرض الإغلاقات، مذكراً بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024 الذي خلص إلى أن استمرار وجود الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني.
وطالب المرصد الأورومتوسطي والمركز الفلسطيني، بفتح تحقيق دولي مستقل وفعّال في وقائع النهب والتهجير والعقاب الجماعي وجمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية ومسؤولية القادة، وحث المحكمة الجنائية الدولية على التعامل معها ضمن تحقيقاتها في فلسطين وتفعيل الولاية القضائية العالمية.
الخليل ستبقى عصية على الكسر
وفي السياق، أدانت فصائل المقاومة الفلطسينية ما تشهده مدينة الخليل من جرائم صهيونية، حيث رفضت واستنكرت حركة المجاهدين الفلسطينية العدوان الصهيوني المتواصل على الضفة والخليل وما صاحبه من حصار واقتحامات وهدم وتهجير، مؤكدة أن هذه الجرائم تأتي في سياق حرب العدو المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني التي تستهدف وجوده وأرضه وقضيته العادلة.
وقالت الحركة إن تصعيد العدو وتهديداته بتوسيع العدوان يكشفان مخططات إجرامية لتكريس الاستيطان وضم الأراضي وتصفية الحقوق الوطنية، وتعكس استغلال حكومة العدو لمعاناة الفلسطينيين ودمائهم في حسابات سياسية وانتخابية في تحدٍ سافر للقوانين الدولية، داعية لتوحيد الجهود الوطنية وتعزيز التكافل لإفشال المخططات.
ويأتي هذا العدوان المتصاعد على الخليل، التي تعد كبرى محافظات الضفة وتضم أكثر من 700 ألف نسمة وتشهد وجوداً استيطانياً كثيفاً في قلبها، ليؤكد أن العدو بكل أدواته العسكرية والأمنية والاستيطانية عاجز عن اقتلاع جذور الشعب من أرضه، وأن الخليل التي قدمت الشهداء والأسرى ستبقى عنواناً للصمود وقلعة عصية على التهجير والضم، وأن المقاومة بكل أشكالها هي الضمانة الحقيقية لحماية الأرض والمقدسات ودحر العدوان حتى نيل الحرية والاستقلال.
عقاب جماعي وتطهير عرقي
إلى ذلك، قال الباحث الحقوقي في مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، هشام الشرباتي، إن ما يجري في الخليل "نوع من العقوبات الجماعية التي ترقى إلى مستوى جريمة الحرب"، وحملة إخلاء كاملة لحي سكني فلسطيني تُعد "نوعاً من التطهير العرقي".
وأوضح الشرباتي لموقع "الجزيرة نت"، أن العدو يربط ما يجري في الخليل بما يجري في عموم الضفة من عقوبات جماعية عبر إغلاق المدن وفصل القرى بعضها عن بعض وعن المراكز الإدارية، وهو ما لا يؤثر فقط على حرية الحركة، وإنما له تأثيرات عميقة على الجوانب الاقتصادية والبيئية والصحية والتعليمية، وينتج عنه إهدار ملايين ساعات العمل على الحواجز العسكرية خلال الانتظار.
وحذّر الحقوقي الفلسطيني، من تدهور مناحي حياة الفلسطينيين وزيادة الضغط الاقتصادي عليهم، إضافة إلى تنكيل قوات العدو والمستوطنين سواء على الحواجز أو خلال العمليات العسكرية أو جراء هجمات المستوطنين المنطلقة من المزارع والبؤر الاستيطانية المنتشرة حول الخليل، والتي تهدف لخنق الوجود الفلسطيني.
سبأ

