بَيانٌ عسكريٌّ يمنيٌّ باليستيٌّ يُربِكُ حِساباتِ العدُو السُّعوديّ
السياســـية: تقرير // صادق سريع*
لم يكن البيان العسكري للقوات المسلحة اليمنية مجرد تغيير في قواعد الاشتباك في الصراع مع العدو السعودي وحلفائه، بل كان بمثابة زلزال جيوسياسي أعاد خلط الأوراق السياسية والعسكرية في اليمن والمنطقة بتصريح عسكري واحد، أُعلن بنبرة حازمة خلال 27 ثانية فقط.
ولم يكن مجرد ردّة فعل غاضبة في بيان عسكري عابر، بل كان بياناً عسكرياً حازماً يعلن عن ولادة معادلة ردع عسكرية إستراتيجية جديدة عنوانها "خيارات كارثية كبرى" تتجاوز عملياتها الردعية الجغرافية اليمنية لتُعيد ترتيب توازنات القوى الإقليمية والعالمية الهشة التي تتحكم في مصير دول منطقة الشرق الأوسط.
كُتِبَ البيان العسكري اليمني بلغةٍ مُنتقاةٍ بعنايةٍ ونبرةٍ صارمةٍ: "تؤكد القوات المسلحة اليمنية أن تهديد العدو السعودي باستهداف القبائل اليمنية لن يمر مرور الكرام، وعواقب ذلك ستكون عليه كارثية وغير متوقعة، وفي حال نفذ العدو تهديده، سنلجأ إلى خيارات كبرى لم نكن نريد اتخاذها ونحمله تبعات ما سيترتب على ذلك".
وضع هذا البيان العسكري الباليستي للقوات المسلحة في صنعاء فور إعلانه النظام السعودي وصنّاعَ قراره السياسي والعسكري في العاصمة الرياض أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما التراجع والاعتذارُ وإثباتُه بالفعل لا بالقول فقط، أو انتظارُ ضرباتٍ بمعادلة "خياراتٍ كارثية"، بل ووضعت قوة ردع ترسانته العسكرية وجهوده الدبلوماسية المبذولة إقليمياً ودولياً أمام اختبارٍ صعبٍ.
ولا يُقرأ بيان صنعاء الذي تلاه متحدثها الرسمي العميد يحيى سريع، في 22 أكتوبر الجاري، كخبر صحفي مجرد، بل كبيان سياسي كُتب بلغة التهديد العسكري الذي يتجاوز منطق الرد التقليدي؛ إذ يُخلي عنه المسؤولية الأخلاقية أمام العالم ويُنذر العدو السعودي بالرد الساحق بخيارات تصعيدية كارثية غامضة، لردع التهديد الذي أطلقه مؤخراً ضد قبائل اليمن.
عسكرياً، فرض بيان القوات المسلحة اليمنية معادلة ردع استباقية إستراتيجية جديدة على العدو السعودي ومرتزقته، وقد حقق أهدافه الفورية عبر إعلان ما تسمى حكومة فنادق الرياض حذف بيانها وتقديم الاعتذار الرسمي من منتحل صفة وزير دفاعها المرتزق طاهر العقيلي لقبائل اليمن، واصفاً تحذير البيان السابق بأنه "خاطئ وغير مقبول".
وقبلياً، أكدت قبائل اليمن كافة أن تهديد العدو السعودي باستهداف حشود الحراك الشعبي لمواجهة عدوانه وحصاره في الوقفات ولقاءات النكف والنفير والاستنفار المسلح، أو الدورات العسكرية لـ"طوفان الأقصى"، لن يزيدها إلا قوة وحضوراً وتأييداً ودعماً وإسناداً للقوات المسلحة بالمال والرجال، وتفويضاً لقائد الثورة حتى إنهاء العدوان والحصار وطرد الاحتلال.
واعتبر المراقبون أن حذف ما تسمى وزارة دفاع حكومة الفنادق بيانَها، الذي حذرت فيه استهداف التجمعات القبلية في مناطق سيطرة صنعاء باعتبارها أهدافاً عسكرية مشروعة، دليلٌ على أن قرارها السياسي بيد الرياض، بينما ردّ ما يسمى متحدث قوات التحالف، اللواء تركي المالكي، بالنفي بوجود أي نوايا لاستهداف قبائل اليمن كان ردّاً سلبياً.
وأن قوات صنعاء أثبتت في بيانها الناري أنها المدافع الأول عن القبيلة وأعرافها، وهذا لوحده يمثل انتصاراً معنوياً يعزز التلاحم القبلي معها، فبالنسبة لها فإن المساس بالنسيج القبلي والحراك الشعبي اللذين تعتبرهما صمام أمن البلاد وخط الدفاع الأول ضد أي عدوان خارجي، يُعدّ اعتداءً مباشراً على الأمن الوطني والقومي والسيادة الوطنية اليمنية.
وفقاً لقراءات الخبراء والمراقبين، فإن استخدام القوات المسلحة في صنعاء مصطلحات جديدة في بيانها مثل: "خيارات كبرى كارثية"، يعكس ثقتها المتزايدة في قدراتها العسكرية على توسيع نطاق عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات لضرب مشاريع اقتصادية إستراتيجية في عمق العدو السعودي، تكلّفه والاقتصاد العالمي فاتورة خسائر باهظة الثمن تُقدّر بمليارات الدولارات.
كما أن قوات صنعاء قد لوّحت في البيان العسكري الأخير بتغيير قواعد الاشتباك واللعبة بشكل جذري في المواجهة القائمة مع العدو السعودي وحلفائه ومرتزقته، من خلال استهداف مصالح حساسة بضربة واحدة تتجاوز معادلة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد"، بحيث تجعل أي تصعيد مقابلٍ مغامرة غير محسوبة العواقب.
وبناءً على ما سبق، فقد أخطأت الرياض في رهانها على تهديد أو ترهيب القبائل اليمنية، فسرعان ما جاءها الرد الباليستي الفوري من الناطق باسم القوات المسلحة ليؤكد أن القبيلة والجيش يمثلان كتلة دفاعية واحدة تقف في خط الدفاع الأول ضد أي عدوان خارجي، في رسالة تهديد صريحة من صنعاء مفادها: أن أي استهداف للقبيلة سيُقابل بردٍّ مزلزل وعابر للحدود.
الخلاصة: إن تهديد صنعاء، عبر بيانها العسكري للعدو السعودي بمعادلة "الخيارات الكبرى"، لم يكن مجرد حرب نفسية، بل خطة عسكرية جاهزة للتنفيذ إذا ما أقدم على استهداف القبائل اليمنية، أو استمر في مماطلة تنفيذ بنود استحقاقات السلام في إطار خارطة الطريق السياسية؛ فاليمن اليوم بات رقماً صعباً في صياغة المعادلة الإقليمية والدولية.

