السياسية || تقرير : صادق سريع *

لأول مرّة في تاريخه السبعيني، يتكبّد كيان "إسرائيل" المؤقت فاتورة خسائر اقتصادية وعسكرية وأمنية وسياسية ومعنوية ضخمة، فضلا عن خسارته تعاطف المجتمع الدولي، نتيجة الحرب على غزة وجرائم الإبادة الجماعية والهجمات اليمنية بالصواريخ والطيران المسيّر إلى الأراضي المحتلة، والحظر البحري الذي تفرضه صنعاء على سفن العدو، المتوجهة إليه عبر البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي.


تلك الخسائر دفعت حلفاءه (أمريكا وبريطانيا) والأنظمة العربية المتصهينة إلى الاستماتة دفاعاً عنه، ومحاولة تشكيل حلف عسكري بحري مات قبل أن يولد لصد العمليات البحرية لقوات صنعاء، وفك الحصار البحري المفروض يمنياً على سفن "إسرائيل" المتوجهه إليها عبر البحر الأحمر.

تمثل عمليات اليمن العسكرية والبحرية، التي بدأت في 19 نوفمبر 2023، وبلغت أكثر من 479 صاروخا ومسيّرة ضد السفن "الإسرائيلية" والأمريكية والبريطانية، الانطلاقة الأولى لعملية "طوفان اليمن"، مساندة لتوأمها عملية "طوفان الأقصى"، التي انطلقت في غزة يوم 7 عشرة 2023.

ذالكما الطوفانان الثائران هزا عرش كيان "إسرائيل" المتهاوي وحليفتيها، أمريكا وبريطانيا، وبعض أنظمة الدول الغربية والعربية، وخلط أوراقها السياسية والعسكرية واللوجستية والاقتصادية والشعبية والمجتمعية.

ونجحت القوات اليمنية في معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس"، ضد دول العدوان، ("إسرائيل" وأمريكا وبريطانيا)، باستهداف 90 سفينة "إسرائيلية" وأمريكية وبريطانية في البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن وباب المندب، حتى كتابة هذا التقرير، فضلاً عن احتجاز سفينة "جالاكسي ليدر"، التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال الصهيوني إبراهام أونغر.

- خسائر بلغة الأرقام
في ظل استمرار عمليات صنعاء، يتلقّى اقتصاد كيان "إسرائيل" ضربات موجعة وخسائر متلاحقة، تتمثل في ارتفاع حجم الانفاق العسكري على الحرب، وتكاليف الشحن، وزيادة التأمين البحري على السفن الصهيونية بنسبة 250 بالمائة، ناهيك عن انخفاض عائدات الضرائب، وعزوف المستثمرين.

في منظور خبراء الاقتصاد، فإن الحصار البحري اليمني على سفن "إسرائيل" ينهك اقتصادها، إذ يقدّر الخبير الاقتصادي، خوجا كاوا، تكلفة فاتورة الحصار الكامل على إمدادات "إسرائيل" في البحر الأحمر بمبلغ 10 ملايين دولار يوميا على الأقل.. مؤكدا أن تغيير المسار البحري عبر طريق الرجاء الصالح يضاعف الخسائر التجارية، بل ويجعلها غير مربحة.

ويوضح أستاذ الاقتصاد كاوا، في جامعة "بليخانوف" الروسية، لوكالة "نوفوستي"، إن إجمالي خسائر "إسرائيل" الاقتصادية جراء الحصار البحري يقدر بنحو 4 مليارات دولار شهرياً.

ويؤكد مدير التحليلات في شركة “كروس”، أندريه ليبيديف، تراجع حركة الملاحة في ميناء إيلات – الذي يتحمل الحصة الأكبر من الخسائر – بأكثر من نسبة 85 بالمائة و80 من حجم الإيرادات منذ بدء الهجمات اليمنية على السفن التجارية لـ"إسرائيل" في البحرين الأحمر والعربي.

ووفق بنك كيان "إسرائيل"، فإن إجمالي الخسائر الاقتصادية المباشرة لهجمات اليمن يقدّر بأكثر من 10 مليارات دولار يومياً.

وحسب وزارة المالية الصهيونية، تزيد خسائر "إسرائيل" الاقتصادية عن 50 مليار دولار، وهي مستمرة في الارتفاع حتى إشعار إيقاف العدوان على غزة، حينها ستتوقف هجمات صنعاء ويرفع الحصار البحري.

لم يتسبب خروج "إيلات" عن الخدمة، بسبب عمليات اليمن العسكرية الصاروخية والطيران المسيّر على "إسرائيل"، في تراجع نشاط ميناء أم الرشراش (إيلات) فقط، بل أوقف حركة نشاطه الاقتصادي بنسبة 90 بالمائة، ما أجبر شركات الشحن العالمية على تغيير مسارها البحري عبر طريق رأس الرجاء الصالح المحاذي لسواحل القارة الأفريقية، مقابل زيادة تكاليف الشحن ومدة الرحلة، لكن ذلك الممر البحري الدولي لم يسلم هو أيضا من الحصار البحري من اليمن، حيث أعلنت اليمن في 15 مارس 2024، على لسان قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، منع مرور سفن "إسرائيل" والمتعاونة معها عبر رأس الرجاء الصالح.

وعلقت صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية، في تقرير نُشر الأسبوع الفائت، بالقول: "وجهت الضربات اليمنية على ميناء أم الرشراش (إيلات) ضربة مؤلمة لاقتصاد إسرائيل، علاوة على خسائر القطاع السياحي".

في السياق، هددت اللجنة الاقتصادية بالكنيست الصهيوني الشركة المشغلة لميناء أم الرشراش (إيلات) باستعادة الميناء لملكية الحكومة.. مطالبة بالتفاوض مع العمال الذي تهدد الشركة بتسريحهم، ما لم تلتزم بإعادة أموال المساعدات التي تلقتها خلال الحرب.

وفي وقت سابق، هددت الشركة بتسريح 50 بالمائة من عمال الميناء، وعددهم "60 من أصل 120 عاملا"؛ بسبب توقف تدهور نشاط الميناء؛ نتيجة هجمات قوات صنعاء.

- إخفاء فاتورة الخسائر
وعلى الرغم من محاولة حكومة "الكيان الإسرائيلي" إخفاء حقيقة حجم الخسائر الاقتصادية، التي يتكبدها جراء الحظر البحري، تفاديا لآثارها السلبية على عمليتها العدوانية في قطاع غزة، التي ينفذها جيشها الصهيوني مُنذ 10 أكتوبر 2023، تحت مسمى عملية "السيوف الحديدية"، وأدت إلى استشهاد 33 ألفا و400 شهيد، و75 ألفا و800 جريح، إلا أن وسائل الإعلام العبرية والغربية تكشف خسائر الكيان اليهودي؛ جراء العمليات اليمنية والحصار البحري في البحرين الأحمر والعربي.

فوفقاً لموقع "أكسيوس" الأمريكي، فإن العمليات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر ضد سفن "إسرائيل" تلحقها خسائر كبيرة يقدرها الموقع بأكثر من 80 بالمائة من مستوى الدخل، وإيرادات السفن القادمة إلى الميناء، وهذا يعني عدم دخول أي سفينة الموانئ الصهيونية عبر البحر الأحمر، فضلا عن توقف كثير من شركات الشحن البحري من وإلى "إسرائيل".

وتقر وسائل إعلام أمريكية بوضع "إسرائيل" الاقتصادي الذي تصفه ب"الصعب"؛ نتيجة هجمات قوات صنعاء، التي عزلتها عن الحركة التجارية في البحر الأحمر، رداً على جرائمها في غزة.

وحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية، أدت هجمات صنعاء إلى قطع الشريان الحيوي لاقتصاد "إسرائيل"، في إشارة إلى الحظر البحري في البحر الأحمر.
وحسب إحصاءات اقتصادية، تصل أكثر من 98 من واردات "إسرائيل" عن طريق البحر، 40 بالمائة منها عبر البحر الأحمر.

- تأكيد صنعاء
في المقابل، تنفي صنعاء الرواية الأمريكية في أن العمليات العسكرية البحرية ضد سفن "إسرائيل" في البحر الأحمر تسبب خطرا على حركة الملاحة العالمية.

إذ أكدت وزارة النقل بـحكومة صنعاء أن الوجهات البحرية إلى أي ميناء في العالم آمنة عبر البحرين الأحمر والعربي، ما عدا المرتبطة بـ"إسرائيل".

وقالت، في بيان صحفي، نهاية الأسبوع الماضي: "إن أكثر من 5 آلاف و530 سفينة عبرت البحر الأحمر وباب المندب، خلال الربع الأول من العام الجاري 2024".

وبلغة الأرقام تمر عبر البحر الأحمر أكثر من 21 ألف سفينة تجارية سنوياً، أي ما يعادل 7 بالمائة من حجم التجارة العالمية.

- "إسرائيل" في ورطة
تؤكد وسائل الإعلام الأمريكية أن اقتصاد كيان "إسرائيل" في ورطة، بعد انخفاض ناتجه المحلي الإجمالي نهاية 2023، بأكثر من نسبة 20 بالمائة، فضلاً عن ثلث الإنفاق الاستهلاكي، وتراجع الواردات والصادرات، يقابله ارتفاع الإنفاق الحكومي 88 بالمائة.

ومثل هكذا حظر بحري يكلف اقتصاد "إسرائيل" خسائر كبيرة على القطاعات الاقتصادية والاستثمارية، حيث تفيد صحيفة "كالكسيت" العبرية بأن خسارة شركة "ديليك كار" "الإسرائيلية" 17 مليون دولار نهاية 2023.

وسبّب تأخر وصول الشحنات نتيجة عمليات البحر الأحمر انخفاضا حادا في الأداء المالي لشركة "ديليك كار".

وتواجه شركة "ديليك أوتوموتيف" تحديات كبيرة بعد انخفاض مبيعات المركبات بنسبة 61 بالمائة، لتصل إلى 69 مليون دولار في 2023.

وتراجعت مبيعات شركة "ديليك أوتوموتيف" بنسبة 25 بالمائة، مقارنة بعام 2022، لتصل الخسائر إلى 788 مليون دولار، وانخفاض أرباحها بنسبة 49 بالمائة.

وتزيد صادرات كيان "إسرائيل" إلى القارة الآسيوية عن 16 مليار دولار، فيما يبلغ حجم وارداته من الصين فقط 21 مليار دولار.

- خسائر أمريكا
تتحمل أمريكا خسائر عسكرية وسياسية، وفقدت سمعتها وهيبتها العالمية في أوساط المجتمع الدولي والشعبوي بدعمها "إسرائيل" في حربها العدوانية على غزة وعدوانها على اليمن، ب407 غارات جوية وقصف بحري، بمشاركة بريطانيا، فضلاً عن حجم فاتورة التكلفة الباهظة الثمن مقابل تدخلها العسكري ومحاولاتها اليائسة لفك الحظر البحري الذي تفرضه اليمن على السفن الصهيونية والأمريكية والبريطانية في البحر الأحمر.

إذ يؤكد المجلس الأطلسي الأمريكي أن التكلفة غير المدرجة في الميزانية للصواريخ التي تطلقها البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، تثبت قدرة اليمنيين على استنزاف مخزون الجيش الأمريكي من صواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى والمكلفة.

- خسائر بريطانيا
توضح مجلة "غلوبال تريد" الأمريكية أن الهجمات، التي تنفذها قوات صنعاء في البحر الأحمر دعما لغزة، ورداً على العدوان الأمريكي - البريطاني على اليمن، أثرت بشكل مباشر على نشاط القطاعات الاقتصادية في بريطانيا، بسبب ارتفاع تكاليف الشحن البحري ما جعل الوضع المالي لكثير من الشركات على المحك.

وتؤكد المجلة بالقول: "إنه باختصار، أثرت الهجمات في البحر الأحمر في تباطؤ الإنتاج، وانخفاضه، ما يخلف خسائر إجمالية في إيرادات الشركات في البلاد".

- ما يجب فعله!
وبدخول صنعاء كجبهة ثالثة على خط الحرب دعما لغزة، تغيرت قواعد الاشتباك في المنطقة والعالم، وتصاعدت حدة التوترات، ومثلت الهجمات اليمنية تهديدا مباشراً على الكيان المؤقت.

فإلى أي مدى يستطيع اقتصاد "إسرائيل" تحمل تكاليف فاتورة الحصار البحري في البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن وباب المندب والمحيط الهندي!؟
لذا ما يجب على ساسة كيان "إسرائيل" وحلفائه (أمريكا وبريطانيا) فعله هو القبول بالمعادلة السياسية والعسكرية وقاعدة الاشتباك الجديدة، التي فرضتها اليمن على المنطقة، وإعلان الوقف الفوري للعدوان على غزة، وإلا فإن "القادم أعظم".