مُنظّر نهاية التاريخ يتنبأ بأفول الإمبريالية الأمريكية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
أضحى النقاش حول أفول الإمبريالية الأمريكية وتراجع نفوذها واحداً من العناوين البارزة في وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الاستراتيجية. ولعل من أبرز القراءات في هذا السياق، التنبؤات الأخيرة للفيلسوف والمفكر السياسي الأمريكي ذي الأصول اليابانية، "فرانسيس فوكوياما"؛ وهو الذي اكتسب شهرة عالمية واسعة عام 1989 إثر توقعه الصائب بانهيار الاتحاد السوفيتي قبل حدوثه.
ورغم ما تروّج له واشنطن دائماً بشأن التآمر والاستهداف الخارجيين اللذين تتخذهما ذريعة لغزو مناطق واسعة في العالم وترهيب أخرى بقوة السلاح والاغتيالات، إلا أن فوكوياما أكد أن الانهيار الأمريكي لا يحتاج إلى أيادٍ خارجية، بل سيتم محلياً على يد الرئيس دونالد ترامب وسياساته التي نالت من هيبة الولايات المتحدة، وحولتها من دولة عظمى تحمي نظاماً دولياً إلى ما يشبه "شركة تجارية" قائمة على منطق الصفقات البراغماتية الضيقة.
ورغم تركيزه الواسع على الصعود الصيني، إلا أن فوكوياما سلّط الضوء بشكل رئيسي على "المستنقع الإيراني"، مشيراً إلى أن ترامب أقحم بلاده في مواجهة عسكرية بلا رؤية واضحة وبلا أهداف استراتيجية محددة. وهنا يشير الفيلسوف الأمريكي إلى أهمية "قوة الردع" في فرض الهيبة، وكيف أن إخفاق إدارة ترامب في حسم المواجهة أمام إيران كسر تلك الهيبة العسكرية المتوارثة، وهو ما انعكس سلباً على نفوذها الاقتصادي، وفتح الباب على مصراعيه للتنين الصيني لملء الفراغ.
وبخصوص الصين، توقف فوكوياما عند زيارة ترامب لبكين، مؤكداً أن الأخير قدّم تنازلات مجانية جعلته عرضة للاهتزاز السياسي، لعل أبرزها تلميحاته بالتخلي عن تايوان - الحليف التقليدي والحيوي للولايات المتحدة في شرق آسيا - مقابل الحصول على صفقات مالية عابرة وتأمين إمدادات من المعادن النادرة. هذه السياسة أرسلت رسالة سلبية لبقية الحلفاء مفادها أن مظلة الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة، وأن واشنطن باتت تتصرف كـ "قوة معزولة" تعيش أزمات ثقة حادة مع شركائها التاريخيين.
والأخطر من ذلك كله، هو حجم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في الداخل الأمريكي؛ مثل القفزات غير المسبوقة في معدلات التضخم، والارتفاع الحاد في أسعار السلع والوقود. وهي عواقب مباشرة للحروب التجارية والتوتر العسكري مع إيران، مما فاقم الوضع الاقتصادي المحلي وكشف عن هشاشته البنيوية. ومع استمرار الانسداد السياسي والعسكري، يتوقع فوكوياما تعمّق التراجع الاقتصادي وتزايد السخط الشعبي الداخلي ضد الحكومة الاتحادية في واشنطن.
علاوة على المؤشرات الاقتصادية والعسكرية، يرى فوكوياما أن التهديد الأكبر لوحدة الولايات المتحدة يكمن في "أزمة الهوية والصراع الثقافي الداخلي". فمنذ صعود التيار الشعبوي اليميني، تعمقت الفجوة بين المكونات المجتمعية الأمريكية، وتحول التنافس السياسي التقليدي إلى استقطاب أيديولوجي حاد يهدد السلم الأهلي. وهذا التفتت الداخلي حوّل الديمقراطية الأمريكية من نموذج مزعوم يروج له عالمياً إلى حالة من شلل المؤسسات، حيث يعجز الحزبان الكبيران عن التوافق على المصالح العليا للدولة، مما يسرّع وثيرة "الاضمحلال السياسي" من الداخل.
في ضوء هذا التراجع، يمر العالم اليوم بلحظة انتقالية تشبه ما أطلق عليه المؤرخون "فخ ثوسيديديس"، وهي الحالة التي يهدد فيها صعود قوة جديدة (الصين) الهيمنة القائمة لقوة مهيمنة تتراجع (الولايات المتحدة). فانشغال واشنطن بأزماتها الاقتصادية واستنزافها العسكري يعطي بكين وحلفاءها فرصة تاريخية لإعادة صياغة النظام المالي الدولي، وبناء تحالفات بديلة تعتمد على العملات المحلية بدلاً من الدولار، مما يعني تجريد أمريكا من أقوى أسلحتها الجيوسياسية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

