السياسية - رصد:
علي ظافر*



في رد سريع على العدوان السعودي، ووفقاً لمعادلة "التصعيد بالتصعيد"، نقلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها من البحر الأحمر إلى الأراضي السعودية، واضعةً درة تاج الاقتصاد السعودي في صدارة بنك الأهداف. وأعلنت القوات المسلحة اليمنية، يوم السبت، تنفيذ عمليتين عسكريتين نوعيتين استهدفتا منشآت تابعة لشركة "أرامكو" السعودية في جيزان وينبع.

وأوضح المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، أن العمليتين نُفذتا بعشرات الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، في إطار الدفاع المشروع والرد على عدوان وتصعيد سعودي خطير، تمثلا بسلسلة من الغارات الجوية التي طالت، في جنح الظلام، أعياناً ومنشآت مدنية في الحديدة، وفي مقدمتها الميناء، الذي يُعد بمثابة الشريان الوحيد لعشرات الملايين من اليمنيين.

ويعكس ذلك، وفق الموقف اليمني، إصراراً سعودياً واضحاً على مواصلة النهج العدواني، والإمعان في تكريس الحصار وسياسة العقاب الجماعي، وتعميق الكارثة الإنسانية والاقتصادية، على نحو يتنافى كلياً مع القانون الدولي الإنساني، خلافاً للمزاعم الواردة في البيانات الرسمية الصادرة عن مسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية السعوديتين، سواء على لسان تركي المالكي أو محمد آل جابر.

وفي مقابل هذا النهج، وما يرافقه من مغالطات وتزييف مفضوح للواقع، كانت القوات المسلحة اليمنية حازمةً في ردها وواضحةً في رسائلها، في اتجاهين: الأول تكتيكي، والثاني استراتيجي.

الرسائل التكتيكية
إن استخدام عشرات الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة في الرد الأول من مرحلة التصعيد يعني أن اليمن مستعد للذهاب إلى أبعد الخيارات، ويمتلك بنكاً واسعاً من الأهداف ومخزوناً من الأسلحة الاستراتيجية الكاسرة للتوازن. كما يعكس انتقاء نوعية الأهداف ترجمةً واضحة للمعادلات التي أرستها صنعاء في تحذيرات سابقة للنظام السعودي، ومفادها أن "ارتكاب أي حماقة أو شن عدوان شامل سيقابَلان بالرد".

ويشير الخط البياني للعمليتين، من جيزان إلى ينبع، بما يعنيه الموقعان من ارتباط مباشر بمنشآت النفط وإمداداته، إلى أن القوات المسلحة اليمنية تملك القدرة على الوصول إلى مختلف المنشآت النفطية واستهدافها. ويعني ذلك تدفيع النظام السعودي كلفاً باهظة جداً، كان في غنى عنها لو استجاب لاستحقاقات السلام.

الرسائل الاستراتيجية
حمل بيان القوات المسلحة اليمنية عدداً من الرسائل، أبرزها استمرار الحصار البحري المفروض على الملاحة المرتبطة بالنظام السعودي إلى حين رفع الحصار عن اليمن، الأمر الذي يؤكد فشل محاولات الردع السعودية. كما لوّح البيان بتوسيع الرد، وهو أمر محكوم بتطورات الساعات والأيام المقبلة، بمعنى أن سلوك النظام السعودي هو الذي يحدد طبيعة الرد ونوعيته ونطاقه.

وبالتالي، فإن أي تصعيد سعودي سيقابَل حتماً بتصعيد يمني مؤلم وموجع ومكلف، يستنزف الاقتصاد السعودي، ويضع مشاريعه وخططه الاستراتيجية في مهب رياح التحولات الجيوسياسية القائمة، وربما المتطورة. وتعكس العمليات العسكرية اليمنية سقوط الرهانات السعودية على فرض سياسة الأمر الواقع على اليمن، وفشل رهان الرياض على واشنطن في توفير الحماية.

مقاربات صنعاء تصطدم باستعلائية الرياض
ما ينبغي الالتفات إليه في هذا السياق هو أن العمليات اليمنية، بما حملته من رسائل تكتيكية وتأثير وتحول استراتيجي، تصب في تحريك عجلة السلام، وتأتي ضمن الضغط على النظام السعودي لانتزاع الاستحقاقات الإنسانية وتحقيق السيادة الكاملة لليمن.

وهي استحقاقات مشروعة لا تمس سيادة المملكة. وكان الأجدى والأجدر بالنظام السعودي أن يستجيب لدعوات صنعاء ومقارباتها المنصفة، فهي أقل كلفة من تداعيات المماطلة والمواجهة اقتصادياً وسياسياً وعلى الصعد كافة. لكن مشكلة النظام السعودي تكمن في نظرته الاستعلائية إلى اليمن واليمنيين، وحرصه على تقمص دور الوسيط، والتحرر من تحمل مسؤولية ما ارتكبته يداه بحق اليمن واليمنيين على مدى نحو 12 عاماً.

وهذا ما بدا واضحاً في تصريحات السفير السعودي محمد آل جابر، الذي ادعى، بعد وقت قصير من العدوان على الحديدة، أن "المملكة العربية السعودية سعت، ولا تزال، إلى دعم جهود التهدئة والسلام، ومساندة جهود المبعوث الأممي إلى اليمن، للوصول إلى حل ينهي معاناة اليمنيين".

فعن أي تهدئة يتحدث آل جابر بعد هذا السلوك العدواني؟ وعن أي سلام بعد مماطلة السعودية وتملصها من تنفيذ استحقاقات السلام طوال أربعة أعوام من خفض التصعيد، وضعت خلالها صنعاء كل المقاربات المنصفة والعادلة، واستنفدت خيارات السلام كلها، فيما قابلتها الرياض بالمماطلة والتسويف؟

وتحاول السعودية "يمننة" المشكلة وإعفاء نفسها من المسؤوليات كلها، كأنها لم تكن قائدة التحالف والمسؤولة الأولى عن العدوان والحصار.

فهم الدور السعودي عامل مهم لتشخيص المشكلة والحل
قدّمت السعودية نفسها، منذ بداية العدوان في 26 آذار/مارس 2015، قائدةً للتحالف. وحين بدأت مرحلة التهدئة في نيسان/أبريل 2022، حاولت تقديم نفسها بوصفها "وسيطاً بين اليمنيين"، في محاولة فاشلة لـ"يمننة المشكلة" وإعفاء نفسها، بالتالي، من التبعات والمسؤوليات كلها.

ويستدعي ذلك من المراقبين، ومن النظام السعودي نفسه، مراجعة دوره السلبي للغاية في اليمن وتقييمه بصورة عقلانية، ووضع العقلية البدوية المتحجرة جانباً، إن كان صاحب القرار وأهلاً للسلام.

أما إذا كان مجرد منفذ، وكان الأميركي صاحب القرار الفعلي، فيُفترض بالنظام السعودي رفض أي إملاءات تدفع نحو التورط من جديد، بما يضر بأمن المملكة واليمن والمنطقة كلها.

لا يستقيم أن تكون خصماً وحكماً ومجرماً، وفي الوقت نفسه قاضياً ومحامياً. لكن هذا ما تفعله الولايات المتحدة مع إيران، و"إسرائيل" مع فلسطين ولبنان، وتفعله السعودية مع اليمن.

وفي الحالة اليمنية تحديداً، أليست السعودية هي الدولة التي تزعمت "تحالف العدوان"، وشنت عدداً هائلاً من الغارات على اليمن واليمنيين، وقتلت عشرات الآلاف في مختلف أنحاء البلاد، من دون تمييز، ودمّرت وحاصرت اليمن واليمنيين، وحرمتهم من حقوقهم النفطية والغازية؟

وأليست هي التي نقلت وظائف البنك المركزي، وتسببت بقطع رواتب نحو 1.3 مليون موظف يمني، وجرّعت اليمنيين الويلات، وحرمتهم من حق السفر والتنقل عبر مطار صنعاء، وقيّدت حركة السفن، وفرضت قيوداً وإجراءات إضافية خلال مرحلة خفض التصعيد؟

وبناءً على الإجابة المعروفة لدى القاصي والداني عن هذه الأسئلة وغيرها، يُحدَّد دور النظام السعودي: هل هو مؤهل لأن يكون في موقع "الوسيط والداعم للسلام"، كما يصوره آل جابر والنظام السعودي نفسه؟ أم أنه معتدٍ ومحاصر ومتآمر ومجرم وقاتل؟

وبالتالي، عليه أن يتحمل مسؤوليته بوصفه طرفاً أساسياً في المشكلة والحرب والعدوان والحصار، لا وسيطاً. وهذا ما تطالب به صنعاء والشعب اليمني، باستثناء من جرى شراء مواقفهم، وباعوا أنفسهم وخدماتهم للرياض.

إن فهم الدور السعودي وتعريفه عامل مهم في تشخيص المشكلة وإيجاد الحل. أما إذا استمر القاتل في ارتداء "ثوب الوسيط" وتقمص دوره، فإن الصراع لن ينتهي، وسيبقى بلا أفق ما لم يلتزم النظام السعودي بتنفيذ استحقاقات السلام، المتمثلة بإنهاء العدوان والحصار والاحتلال، وتمكين اليمنيين من ثرواتهم، ودفع التعويضات وجبر الضرر.

الرواية السعودية والواقع اليمني
يزعم المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء تركي المالكي، عقب عدوان بلاده على محافظة الحديدة، أن "المملكة تقف إلى جانب الشعب اليمني"، وأنها "تضع في أولوياتها الحفاظ على مقدرات الشعب اليمني". وكأن "مملكة الخير" توزع الورود على اليمن واليمنيين في هذه المرحلة وطوال السنوات الماضية، متناسيةً الجرائم المرتكبة بحق اليمن، أرضاً وإنساناً، من الحديدة إلى مأرب، ومن صعدة إلى عدن، وما وُزّع من موت وخراب ودمار على كل قرية تقريباً في معظم المحافظات اليمنية.

فعن أي حرص؟ وعن أي أولويات؟ وعن أي شعب يتحدث النظام السعودي، وهو من لا يزال يقصف مطار صنعاء والحديدة، ويحاصر اليمنيين، ويحرم المرضى من السفر والدواء، ويعرقل الإمدادات الإنسانية والبضائع الأساسية منذ نحو أربعة أشهر، ويتلذذ بعذابات اليمنيين منذ أكثر من عقد؟ أم أنه يرى كل هذه السلوكيات "حباً" يستحقه اليمن الجار، ويستحقه الشعب اليمني، على قاعدة: "ومن الحب ما قتل"؟

من الواضح أن النظام السعودي لا يستخف بالرأي العام فحسب، عبر تسويق الأكاذيب والمغالطات المكشوفة، بل يتعامل، في الوقت نفسه، باستعلائية مفرطة مع الشعب اليمني.

فهو لا يرى في الملايين الذين احتشدوا في جمعة "التحذير والنفير" إلا أقلية و"شرذمة قليلة"، تماماً كما كان فرعون ينظر باستعلاء إلى نبي الله موسى ومن معه.

وهذه هي السردية المكرورة والممجوجة التي نسمعها دائماً، وعلى مدى الوقت، على ألسنة مسؤولي النظام السعودي والمقربين منه، فيما ينظرون إلى قلة قليلة تقيم في فنادق الرياض بوصفها "الشرعية" و"الحكومة الشرعية"، لا لشيء إلا لأنها أخضعت نفسها للسعودية، ورضيت بأن تكون جنوداً رخيصين في خدمتها، على حساب شعبها ووطنها، يديرها أصغر ضابط سعودي.

والنظام السعودي يدرك أن "نزلاء الفنادق"، المؤتمرين بأوامر اللجنة السعودية الخاصة، بلا وزن شعبي أو سياسي أو عسكري على الأرض، وأن "المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً" كان سيلتهمهم لولا التدخل العسكري السعودي.

ثم من هي "الشرعية" التي لا تملك القدرة على العودة إلى عدن أو مأرب أو أي من المحافظات المحتلة؟

الموقف اليمني من تصعيد النظام السعودي
كان الرد اليمني واستهداف منشآت "أرامكو" متوقعين، كما كانت الحماقة السعودية متوقعة. ومن المتوقع أن تستمر الرياض في حماقاتها، وفي المقابل، أن يتوسع الرد اليمني، ضمن معادلة أرساها قائد حركة "أنصار الله"، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في خطاب استمر قرابة ساعتين، في 16 تموز/يوليو، الموافق الثاني من صفر.

واستعرض السيد الحوثي، بحرقة وألم شديدين، الحيثيات والمبررات ومظاهر العدوان السعودي الشامل والحصار المفروض على الشعب اليمني منذ قرابة 12 عاماً، بما في ذلك مرحلة خفض التصعيد التي كان يُفترض أن يشهد فيها الملف الإنساني انفراجاً واضحاً فيما يتعلق بالموانئ والمطارات والثروة الوطنية من النفط والغاز.

فهذه ثروة الشعب اليمني، ولا يملك العدو السعودي فيها مثقال ذرة حتى يتحكم بها ويحرم الشعب منها.

وظل النظام السعودي يراوغ على مدى أربعة أعوام من خفض التصعيد، بل أدى دوراً خبيثاً، إلى جانب الأميركي والبريطاني والإسرائيلي، في تشديد الحصار وصناعة معاناة الشعب اليمني، تماماً كما يفعل العدو الإسرائيلي في غزة.

وأمام هذا الواقع السيئ، الذي تصنع السعودية فصوله بدفع أميركي وبريطاني وإسرائيلي، جدد السيد الحوثي معادلة "المطار بالمطار، مطار صنعاء مقابل مطار الرياض، والميناء بالميناء".

كما لوّح بأن ما بعد جمعة "التحذير والنفير" سيكون قراراً يليق بطموح الشعب، في إشارة إلى معادلة "الحصار بالحصار".

وهو ما حصل بالفعل، إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية إدخال هذه المعادلة حيز التنفيذ، من خلال عملية عسكرية مزدوجة ومركبة استهدفت سفينتي نفط سعوديتين قبالة منطقة "الشقيق" في جيزان، وفرضت على سفن سعودية تغيير مساراتها عبر البحر الأحمر.

وأكدت القوات المسلحة، في بيان السبت، أن الحصار البحري مستمر على النظام السعودي، واضعةً ذلك في إطار الرد المشروع على العدوان والحصار السعوديين المستمرين على اليمن منذ أكثر من عقد، وبعد سنوات من الصبر الاستراتيجي الذي قابلته الرياض بالتملص من استحقاقات السلام.

محاولة قلب المعتدي إلى ضحية
حاول النظام السعودي تصوير قرار "الحصار بالحصار"، الذي يستهدف الملاحة السعودية حصراً، بأنه "إغلاق لباب المندب وتهديد لأمن الملاحة الدولية"، لحشد المواقف الدولية ضد اليمن.

ويسعى، عبر هذه الدعاية، إلى سلخ العمليات اليمنية الدفاعية المشروعة عن سياقها، وتصويرها كأنها عدوان، وكأن اليمن هو من بدأ السعودية بالعدوان والحظر البحري والحصار، تماماً كما عمدت سردية العدو الإسرائيلي إلى محاولة سلخ "طوفان الأقصى" عن سياقه التاريخي.

وانطلاقاً من هذه السردية، اعتدت السعودية على الحديدة، وصورت العدوان بأنه يأتي في سياق "الرد المتناسب".

والواضح أن النظام السعودي يريد استمرار واقع العدوان والحصار ضمن معادلة تصعيدية محسوبة، لكن هذا التصعيد قد يدفع إلى تصعيد مقابل يخرج عن الإطار الذي تفترضه الرياض.

وقد لا تبقى المعادلة عند مستوى "ضربة بضربة"، بل قد تتدحرج إلى حرب شاملة، تكون كلفتها على الرياض، وعلى "رؤية 2030" و"أرامكو" و"نيوم" و"بترولاين" وغيرها، أكبر بكثير من كلفة تنفيذ استحقاقات السلام.

وتدرك صنعاء أن الأمور قد تنحو هذا المنحى، ويعزز ذلك إشارة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في "خطاب الثاني من صفر"، إلى أن "الأميركي والبريطاني والإسرائيلي، في هذه المرحلة، يدفعون بالسعودي إلى أن يتورط من جديد في المواجهة المباشرة والتصعيد للعدوان الشامل على بلدنا".

وحسم السيد الحوثي الموقف اليمني بالقول: "إذا اتجه العدو السعودي إلى التصعيد الشامل، اتجهنا إلى التصعيد الشامل، ولدى شعبنا كل مقومات الثبات وكل عوامل النصر".

الخاتمة
مهما بالغ النظام السعودي في الفحشاء والمنكر والبغي والظلم والتضليل وتزوير الحقائق، فإن اليمنيين مصرّون على المضي في مسار التحرر والاستقلال، وانتزاع حقوقهم المكتسبة، وإزالة الوصاية الخارجية، وتحقيق الاستقلال التام، مهما كلّف ذلك من أثمان وتضحيات.

وما معادلة "الحصار بالحصار" إلا بداية المسار، وقد فتحت السعودية على نفسها أبواب الجحيم، وعليها أن تتحمل العواقب.


* المادة نقلت حرفيا من الميادين نت