من كذبة "سلاح الجو" إلى الارتهان المتعدّد
مبارك حزام العسالي*
المتأمل يرى أن أهمية البيانات العسكرية الصادرة عن صنعاء تكمن في بُعدها الميداني ورصدها للعمليات المباشرة والمتبادلة وقدرتها الدائمة على تعرية الخطاب الإعلامي المضلل وتفكيك الروايات الزائفة التي تحاول من خلالها أدوات العدوان ومن يمسك بلجامها التغطية على عجزها الميداني وسلوبية قرارها السيادي.
وقد جاء البيان الأخير الصادر عن القوات المسلحة اليمنية ليضع حدًّا صارمًا لكذبة طالما روجتها الأبواق الإعلامية التابعة لتحشيدات العدو السعودي، والتي حاولت إيهام المتابعين بوجود "طيران حربي يمني" ينفذ غارات هجومية.
وتضمن البيان رصدًا عملياتيّاً دقيقًا يكشف طبيعة المواجهة؛ حيث أوضح أن العدوان شنّ خلال ثلاثة أيام 121 غارة جوية استهدفت محافظات "مأرب، البيضاء، الحديدة، تعز، والجوف"، والتي أسفرت عن جرائم بحق المدنيين وآخرها استهداف السجن المركزي بمدينة الحزم.
غير أن النقطة الجوهرية التي نسفت زيف الرواية الإعلامية للعدو السعودي تمثلت في التحديد المباشر والدقيق لمراكز انطلاق تلك الطائرات من "قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط وقاعدة الملك فهد الجوية في الطائف"، وهذا التحديد الإجرائي أثبت بوضوح أن المسرح الجوي تُديره وتنفذه القوات الجوية السعودية بالكامل، ولا وجود لأيّ دور أو أسطول عسكري لما يُسمى في وسائل إعلامهم بـ"الشرعية"، والتي يقتصر دورها على التبني الإعلامي الصوري لتغطية العجز الميداني والارتهان المطلق.
ولم يقف البيان عند حدود الرصد وتفنيد الادعاءات، وإنما أعلن عن تنفيذ عملية عسكرية نوعية وواسعة في إطار الرد الاستراتيجي والتصعيد مقابل التصعيد؛ حيث طالت الضربات المنشآت الحيوية والعسكرية في العمق السعودي بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وشملت قائمة الأهداف استهداف شركتي "أرامكو" في أبها ونجران، والمدينة الاقتصادية، و"أرامكو جيزان"، إلى جانب استهداف قاعدة خميس مشيط الجوية بشكّلٍ مباشر، متسببة بأضرار كبيرة ومثبتة لمعادلة "الحصار بالحصار".
التناقض الأكثر فجاجة يتجلى في البُعد السياسي والأخلاقي؛ فهذه الأطراف التي ملأت الفضائيات ضجيجًا بالحديث عن "السيادة"، تسارع اليوم للتكيف مع التفاهمات الأخيرة بين الرياض وأنقرة، مستعينةً بـ "الجولاني" وفصائله للانخراط في الملف اليمني بوجوه وإملاءات خارجية صريحة.
اندفاع هذه القوى للعب دور البيدق في التوافقات الإقليمية الجديدة يؤكد أن اليمن بالنسبة لهم ليس سوى ورقة تفاوضية تُباع وتُشترى على طاولات النخاسة، في حين تعكس هذه الاستعانة بمليشيات عابرة للحدود حالة العجز والمرارة التي يعيشها التحالف الأمريكي السعودي وأدواته عقب فشل خياراتهم السابقة.
وهُنا تبرز السخرية والتناقض المفضوح في موقف "أحمد الشرع" (الجولاني) نفسه؛ إذ كان الأجدى والأولى به -وهو يرفع الشعارات ويتحدث عن التحرير- أن يوجه قواته وأبواقه الإعلامية نحو مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يستبيح سوريا والأراضي العربية، بدلاً من الارتهان للأوامر والوصاية التركية ولعب أدوار الوكالة وتنفيذ الأجندات الإقليمية في اليمن.
لقد أثبتت الوقائع أن شعارات "نصرة الشعوب" التي يرفعها أمثاله تنتهي صلاحيتها فور صدور التعليمات من الممول الخارجي لتغيير وجهة السلاح، لتنهمك هذه الفصائل المأجورة في إعادة تموضعها العسكري وتكريس الصراع، بينما تُسخّر صنعاء إمكاناتها لإسناد قضايا الأمة المبدئية.
والتاريخ لا يرحم؛ وسيسجل بوضوح أسماء من استبدلوا بالكرامة الوطنية أدوار السخرة الخدمية لصالح مشاريع الهيمنة والتمدد الخارجي، لتؤكد المستجدات الأخيرة أن القرار السياسي والعسكري لمن يتدثرون بعباءة "الشرعية" ليسوا سوى صدىً للتفاهمات الإقليمية ومصالح القوى الخارجية، ومن يبع قرار وطنه للغير لا يملك أيّ استحقاق أخلاقي للحديث عن السيادة.
إذن.. النصر حليفُ من يقفُ في خندقِ أمتهِ ومبادئهِ الثابتة، لا من يرهنُ سيفهُ ورأيهُ لمن يدفع، وسيعلمُ الذين ارتهنوا للشرقِ والغربِ أنَّ الفقاعاتِ الإعلاميةَ والمليشياتِ المستوردة لن تصنعَ حسمًا ولا سيادة، وأنَّ الأرضَ لا تقاتلُ إلا بأهلها الأحرار.
*المقال يعبر عن رأي الكاتب

