السعودية تصر على الانتحار في اليمن
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لا يحتاج المتابع للشأن الإقليمي إلى كثيرٍ من التأمل ليدرك أن الدخول في حربٍ مفتوحة أو مواجهة مستمرة مع الشعب اليمني لا يخدم بأي حال من الأحوال المصالح الاستراتيجية أو الاقتصادية لأي دولة في المنطقة، وعلى رأسها النظام السعودي. فالواقع الاقتصادي والأمني الملتهب، والتطلعات نحو بناء مشاريع استثمارية عملاقة كـ "مشروع نيوم" وتطوير الساحل الغربي ضمن "رؤية 2030"، لا تحتمل الإقدام على مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب.
وقد أثبتت التجربة العملانية—تحديداً عقب استهداف منشآت "أرامكو" في بقيق وخريص عام 2019، وهجمات محطات التوزيع في جدة عام 2022—أن أي عدوان على اليمن يعود بالوبال على الاستقرار الداخلي، ويستنزف الطاقات والقدرات، ويضع المنشآت الحيوية وشرايين الطاقة تحت رحمة الردود العسكرية المتصاعدة التي كشفت هشاشة الحماية الدفاعية أمام الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية اليمنية.
ورغم هذه الحقيقة الناصعة والواضحة في حسابات الربح والخسارة الإقليمية، تطل التحركات والتصعيدات المستمرة—سواء عبر العدوان المباشر أو فرض الضغوط الاقتصادية—كعلامة استفهام كبيرة لا يمكن تفسيرها إلا بالخضوع للتوجيهات والإملاءات الصهيو-أمريكية. لقد ظهر ذلك جلياً في التصريحات والتحركات الرسمية لواشنطن، والتي تجسدت في إنشاء التحالف البحري "حارس الازدهار" وضغوط المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن لوقف إجراءات السلام والتضييق على القطاع المصرفي في صنعاء.
فواشنطن وتل أبيب لا تكترثان مطلقاً للأمن القومي لبلدان المنطقة، ولا تعبآن بما قد تصاب به بؤر الاستقرار الاقتصادي والإقليمي من أضرار كارثية؛ فالأولوية القصوى والمطلقة لدى هذه القوى تتلخص في حماية أمن الكيان الصهيوني، وضمان خطوط الملاحة التي تخدم مصالحه، وتخفيف الضغط العسكري والسياسي الشديد الذي يفرضه الموقف اليمني المباشر في المعركة نصرةً لغزة.
لقد أثبتت الأحداث، لا سيما منذ إعلان الحظر البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ الصهيونية وإغلاق ميناء أم الرشراش ("إيلات") بشللٍ شبه تام، أن اليمن، بموقفه الثابت وموقعه الجغرافي المباشر على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، شكل معادلة ردع حقيقية أربكت حسابات الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.
وأمام فشل الضربات الجوية الأمريكية- البريطانية المباشرة في الحد من القدرات اليمنية، تسعى واشنطن جاهدة إلى دفع الأطراف الإقليمية وتحريك الجبهات المحلية والملاذات المالية لتكون رأس حربة في صراعٍ لا يخدم سوى المحتل الصهيوني، محاولةً تحويل الصراع من مواجهة مع العدو المركزي للأمة إلى صراعات بينية يستنزف فيها أبناء المنطقة دماءهم وإمكانياتهم.
والاستمرار السعودي في الارتهان لهذه السياسات والانسياق خلف الرغبات الأمريكية والصهيونية يمثل مجازفة خطيرة بالاستقرار الإقليمي ككل. فاليمن، الذي أثبت عبر سنوات العدوان والحصار قدرته العالية على الصمود وابتكار معادلات الردع التي وصلت إلى عمق الكيان ويافا المحتلة، لن يكون لقمة سائغة، ولن تؤدي محاولات الضغط عليه إلا إلى مزيد من تعقيد المشهد السعودي وإشعال المنطقة وتوسيع دائر الصراع. والسبيل الوحيد لمنع هذه الخسائر الفادحة هو الإدراك الجاد بأن المصلحة الحقيقية لشعوب ودول المنطقة تكمن في التوقف عن خدمة المشاريع الخارجية، وتحقيق التهدئة، ورفع الحصار، وترك اليمنيين يقررون مصيرهم بعيداً عن الوصاية والإملاءات الأجنبية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

