حين تصبح مدراس فلسطين في مرمى الهدم
رام الله ـ السياسية:
مع بداية كل عام دراسي، يحمل الأطفال حقائبهم الصغيرة، ويتسابقون إلى مقاعدهم، وتعلو أصواتهم في باحات المدارس إيذاناً ببدء عام جديد. لكن في قرى فلسطينية بدوية بالضفة الغربية، لا يبدأ العام الدراسي دائماً بالفرح نفسه؛ فهناك أطفال يدخلون صفوفهم وهم لا يعرفون إن كانت جدران مدرستهم ستبقى قائمة حتى نهاية العام.
خلال السنوات الثلاث الماضية، تعرضت نحو 45 مدرسة في التجمعات البدوية بالضفة الغربية إما للهدم أو لإخطارات تستهدفها، وفق ما أفاد به منسق الحملة الشعبية لمقاومة الفصل العنصري جمال جمعة لـ وكالة (سند للأنباء) الفلسطينية.
وتمتد هذه المدارس من مسافر يطا جنوب الخليل، إلى الأغوار الشمالية، وصولاً إلى السفوح الجبلية في محافظة رام الله، في مشهد بات يجعل التعليم نفسه جزءاً من معركة البقاء.
في هذه المناطق، لا تبدو المدرسة مجرد مبنى من الإسمنت والحجارة؛ إنها آخر ما يحاول السكان التمسك به كي لا تتحول قراهم إلى أماكن مهجورة. ولهذا، فإن التهديد بهدم مدرسة لا يعني إزالة جدران وسقف وسبورة فحسب، بل يعني انتزاع مساحة صغيرة من الحياة، ودفع الأطفال إلى طريق أطول وأكثر قسوة نحو التعليم، وربما دفع عائلات بأكملها إلى الرحيل.
وتبرر سلطات العدو الإسرائيلي أوامر الهدم بالقول إن هذه المناطق تقع ضمن ما يسمى "مناطق إطلاق النار"، فيما يرى فلسطينيون أن هذه التصنيفات تُستخدم غطاءً قانونياً لإجراءات الهدم والتهجير، خصوصاً في التجمعات الواقعة في المنطقة "ج"، حيث يعيش السكان منذ سنوات وسط قيود مشددة على البناء والمياه والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
في مسافر يطا، لا تبدو المسألة بعيدة عن الواقع اليومي للسكان. يقول رئيس مجلس قروي مسافر يطا نضال أبو يونس إن إخطارات الهدم التي تطال المدارس تأتي ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي تهدد وجود التجمعات نفسها، محذراً من أن الأمر لا يتعلق بمبانٍ منفردة، وإنما بمخطط يدفع السكان تدريجياً إلى مغادرة أراضيهم.
إحدى أكثر المدارس المهددة هي مدرسة مسافر يطا الثانوية، التي وصلت قضيتها إلى مراحلها القانونية الأخيرة بعد رفض عدد من الالتماسات السابقة، بحجة وقوعها داخل منطقة عسكرية مغلقة. وفي السابع من أكتوبر، من المقرر تقديم الالتماس الأخير ضد أمر هدمها، وسط مؤشرات لا تبعث على الاطمئنان لدى الأهالي.
ولا تقف المخاوف عند هذه المدرسة. فمدرسة المجد المختلطة الأساسية تواجه هي الأخرى مصيراً مجهولاً، مع جلسة مقررة في 27 سبتمبر، وسط خشية من عدم تمديد الأمر المؤقت الذي يحول دون هدمها. كما تطال التهديدات مدارس أخرى في المنطقة، بينها مدارس أجنادا وخالد الضباع وشعب البطم المختلطة الأساسية، التي هُدم نصفها، إلى جانب مدارس زيد وفلسطين وخربة الأميرة وأم قَصّة وخشم الدرج.
نحو ألف طالب وطالبة قد يتأثرون بهذه الإجراءات، بينهم قرابة 280 طالباً في ست مدارس تواجه تهديداً مباشراً.
أرقام تبدو للوهلة الأولى مجرد إحصاءات، لكنها حين تُترجم إلى وجوه أطفال، ودفاتر، وحقائب، وأحلام معلقة على جدران صفوف صغيرة، تصبح أكثر قسوة.
فالطفل الذي يستيقظ صباحاً في هذه التجمعات لا يسأل فقط عن موعد الحصة الأولى، ولا يفكر فقط في الامتحان المقبل. هناك سؤال آخر يرافقه بصمت: هل ستكون مدرستي هنا غداً؟
وفي خربة طانا، شرق بيت فوريك، تبدو الإجابة أكثر ألماً. فقد هُدمت المدرسة هناك أربع مرات، قبل أن تنتهي إلى دمار كامل، وفق منسق الحملة الشعبية للدفاع عن الخربة ثائر حنني.
ومع تكرار الهدم والاعتداءات، تراجع عدد سكان الخربة إلى حد كبير، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من العائلات.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود المدرسة. فحين يُهدم البيت، يخسر الإنسان سقفه، وحين تُقتلع شجرة، يخسر جزءاً من أرضه، لكن حين تُهدم المدرسة، فإن الخسارة تمتد إلى المستقبل نفسه.
ذلك أن المدرسة في التجمعات البدوية ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها، ولا مبنى يمكن استبداله بسهولة. إنها وسيلة الأطفال للوصول إلى حقهم الأساسي في التعليم، ووجودها قرب البيوت هو ما يسمح لهم بالذهاب إلى الصفوف دون أن يتحول الطريق إلى عبء قد يحرمهم من الدراسة.
وحين تختفي المدرسة، يصبح الرحيل أكثر احتمالاً. وحين يرحل الأطفال، تبدأ القرية بفقدان أحد أهم أسباب بقائها. وهكذا يمكن أن يتحول هدم جدار المدرسة إلى خطوة في سلسلة أطول تنتهي بإفراغ المكان من سكانه.
في الضفة الغربية، حيث يبدأ آلاف الأطفال عاماً دراسياً جديداً، ثمة أطفال آخرون لا يملكون ترف التفكير في جدول الحصص أو لون الزي المدرسي. هؤلاء يبدأون عامهم الدراسي وهم ينظرون إلى جدران مدارسهم كأنهم ينظرون إلى ساعة رملية تتناقص حباتها، ولا يعرفون متى سيأتي اليوم الذي تتحول فيه المقاعد إلى ركام، والسبورة إلى جدار مهدوم، وجرس المدرسة إلى صمت.
وربما لهذا تبدو صورة الطفل الفلسطيني وهو يحمل حقيبته في هذه القرى أكثر من مجرد صورة لبداية عام دراسي؛ إنها صورة طفل يحاول أن يتمسك بحقه في أن يكون له غد.
ففي المكان الذي يُهدد فيه البيت والمدرسة والماء والطريق، يصبح الذهاب إلى الصف شكلاً من أشكال التشبث بالحياة. ويصبح بقاء المدرسة مفتوحة أكثر من مجرد استمرار للتعليم؛ يصبح إعلاناً بأن المكان ما زال مأهولاً بأصحابه، وأن الأطفال ما زالوا هنا، وأن المستقبل لم يُهدم بعد.
وقد يكون السؤال الأشد إيلاماً ليس: متى سيُهدم هذا الصف؟ بل: ماذا يحدث لطفل يتعلم منذ صغره أن مدرسته قد تختفي في أي لحظة؟
عندما يدق جرس المدرسة، يفترض أن يكون الصوت إعلاناً عن بداية درس جديد. لكن في هذه القرى، صار الجرس يحمل معنى آخر؛ إنه صوت صغير في مواجهة احتمال الصمت.
وبينما يبدأ أطفال العالم عامهم الدراسي بأحلام جديدة، يبدأ أطفال هذه التجمعات عامهم بسؤال لا ينبغي لطفل أن يحمله على كتفيه: هل سأعود إلى مقعدي غداً؟
وإذا كان التعليم هو الطريق إلى المستقبل، فإن هدم المدرسة لا يهدم حجارة فقط.. بل يحاول أن يغلق الطريق أمام ذلك المستقبل قبل أن يصل إليه الأطفال.

