صمتَ دهراً ونطقَ كُفراً
محسن الشامي*
عجيب هو هذا العالم حين يُقاس بميزان العدالة الدولية؛ عالم يملك عيناً زجاجية لا تُبصر جثث الأطفال تحت الركام، لكنها تتكهرب فجأة وتبرق غضباً إذا ما تهددت مصالح أرباب المال والنفوذ.
في اليمن، لم تكن الأعوام الاثنا عشر الماضية مجرد شريط زمني، بل كانت شهادة حية على السقوط الأخلاقي لمنظومة دولية يديرها المال، وتتحكم بها البورصات وتوازنات التسليح.
حرب الإبادة الممنهجة وغياب الإنسانية
بدأت الحكاية بتصريح رسمي أُعلن فيه دوي الحرب من خارج الحدود، لتنطلق عملية عسكرية واسعة، تبعها فرض حصار جائر شل شرايين الحياة في البلاد.
ولم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت عملية تدمير ممنهجة طالت مختلف القطاعات والمنظومات الخدمية.
أرقام وشواهد على الكارثة
وفق توثيق مركز "عين الإنسانية"، طالت الغارات البنية التحتية والمصانع والمدارس والمستشفيات والمزارع وشبكات المياه والكهرباء.
وأدى الحصار الجوي والبحري، وإغلاق مطار صنعاء الدولي، واستهداف المطارات والموانئ والطائرات المدنية، إلى حرمان أعداد كبيرة من المرضى من السفر لتلقي العلاج أو الحصول على الأدوية المنقذة للحياة.
كما حُظر دخول أكثر من 490 صنفاً من السلع والاحتياجات الأساسية والأجهزة الطبية والمستلزمات الحيوية عبر المنافذ البحرية والجوية.
وطالت الحرب الاقتصادية القوت اليومي للمواطن اليمني، عبر نقل وظائف البنك المركزي، وتجفيف روافد الدخل، واستهداف العملة الوطنية، بما أدى إلى خلق موجات من التضخم خنقت المواطنين في مختلف المحافظات.
وطوال ثمانية أعوام من القصف بمختلف أنواع الأسلحة، والتي أثبتت تقارير استخدام بعضها موادَّ محرمة دولياً، كالضربات التي طالت فج عطان وجبل نقم والأحياء السكنية، وبصفقات تسليح بلغت قيمتها مليارات الدولارات، كان الشارع العربي والإسلامي والدولي يرقب المشهد.
أين كانت جامعة الدول العربية؟ وأين كان مجلس الأمن ومنظمة التعاون الإسلامي والمؤسسات الحقوقية؟ لقد ساد صمت أشبه بصمت المقابر؛ فلم تُسمع بيانات تنديد جادة، ولم تتحرك لجان تقصي حقائق توقف نزيف الدم اليمني. وعندما دخلت المنطقة مرحلة التهدئة الشكلية لأعوام عدة، ظل الحصار مخيماً والمعاناة قائمة، حتى بلغ السيل الزبى، وخرجت الملايين مطالبة بأبسط حقوقها الإنسانية في العيش الكريم، ورفع الحظر المعيشي.
سقوط الأقنعة وتجلي سلطة المال
لعلكم تتذكرون جيداً أنه حين كان الشعب اليمني يموت جوعاً ومرضاً وتحت الركام، اختفى دعاة الإنسانية خلف برميل النفط السعودي، وتظاهر المجتمع الدولي بالتعامي، واختارت الدبلوماسية الدولية النأي بالنفس.
وغابت المنظمات والأحزاب والنخب والمؤسسات ودور الإفتاء والجامعات وأصحاب الرأي والإعلام والأقلام والمنابر، إلا من رحم الله. لكن ما إن أعلن اليمن، في البيان الأخير لقواته المسلحة، فرض معادلاته البحرية وإجراءات الحظر الخاصة به، حتى قامت الدنيا ولم تقعد.
وخلال أيام معدودة، بل ساعات، تداعت العواصم الغربية، وصدرت بيانات الإدانة والتنديد من الإدارة الأميركية وعدد من الدول والمنظمات التي كانت غائبة طوال 12 عاماً من العدوان والحصار. وكشف هذا التناقض الصارخ، بصورة لا تدع مجالاً للشك، مدى اختلال الموازين العالمية. فقد أثبتت الأزمة أن منظومة القرار الدولي لا تُدار بالقيم الإنسانية، بل بموازين المصالح وحجم الصفقات والمشتريات العسكرية.
وصاحب المال يملك وسائل الإعلام العالمية، ويشتري المواقف الدبلوماسية، ويستصدر القرارات الأممية في أوقات قياسية، بينما تُترك الشعوب المستضعفة لمواجهة مصيرها تحت شعارات بائسة وعناوين من قبيل "ضبط النفس".
لقد بدا واضحاً أن التحرك الدولي لم يكن دفاعاً عن القوانين، بل حمايةً للهيمنة الاقتصادية والتجارية للمنظومة الغربية وحلفائها.
رسائل التحذير والكلفة الباهظة
وسط هذا التداعي الدولي، تجلى قدر عالٍ من الوعي لدى الشعب اليمني ومؤسساته؛ وعي يدرك تماماً أنه لا مجال للرهان على المنظومات الدولية، ولا مكان للخوف من التحالفات العسكرية مهما بلغت قوتها.
فلم تكن تحركات اليمن مجرد ردود أفعال عابرة، بل انطلقت من مبدئية سيادية تؤكد حق الشعب اليمني الكامل في العيش بكرامة، واستعادة سيادته الكاملة على أرضه ومياهه وثرواته، من دون وصاية أو ارتهان.
صمود الموقف وإنجازات القوات المسلحة
حين خاضت غزة معركتها، جاء القرار اليمني صريحاً بإسناد الشعب الفلسطيني، لتثبت القوات المسلحة اليمنية فاعليتها الميدانية العالية.
وعلى الرغم من الحشد العسكري الأمريكي والتكتلات البحرية المتعددة الجنسيات التي شُكّلت لثني اليمن عن موقفه، استمرت عمليات استهداف السفن والقطع البحرية من دون هوادة، مسقطةً هيبة القوة العظمى ومحطمةً فرضيات الردع الغربي.
وقد تجلت هذه الكفاءة العسكرية مؤخراً في استهداف حركة عدد من السفن والناقلات المرتبطة بالجانب السعودي والشركة الوطنية السعودية للنقل البحري، مثل الناقلة "أمجاد" والناقلة "ماجيك أندريا"، إضافةً إلى ناقلات نفط عملاقة قيل إنها أُجبرت على تغيير مساراتها أو تعطلت حركة إمدادها. وبذلك، تحولت الممرات البحرية التي ظن العدو أنه يملكها إلى ساحة حظر واختبار حقيقي لنفوذه.
حسابات الكلفة الهائلة
إن قراءة المعادلة العسكرية بالأرقام تكشف حجم الحماقة السياسية والاقتصادية للعدو. فلو افترضنا، على سبيل المثال، سيناريو حظر اقتصادي أو تعطل إمدادات النفط مدة شهر واحد، بكمية تبلغ سبعة ملايين برميل يومياً، وبسعر تقديري متوسط يبلغ 100 دولار للبرميل، فإن الكلفة الافتراضية قد تصل إلى 21 مليار دولار خلال شهر واحد.
وهي كلفة باهظة بكل المقاييس، بل إن هذا الرقم الضخم، وفق تقدير الكاتب، يمثل موازنة تشغيلية كاملة لحكومة الجمهورية اليمنية مدة تتراوح بين خمسة وسبعة أعوام.
وتؤكد هذه الأرقام أن استمرار الحصار والرهان على القوة لن يجلبا للرياض إلا الشلل الاقتصادي والاستنزاف المباشر.
إن الضربات الميدانية الأخيرة ليست سوى "بروفة" ورسالة أولية قابلة للتوسع والتطوير. فالموجة الثانية قادمة لا محالة، وستكون أنكى وأقسى على النظام السعودي، إن لم يرعوِ عن غيه وإجرامه وحصاره لشعب الإيمان والحكمة.
وأخيراً، لن يرحم التاريخ أولئك الذين صمتوا دهوراً عن مظلومية شعب بكامله، ثم نطقوا استنكاراً حين اهتز عرش مصالحهم. واليوم، يتجاوز اليمن مرحلة الانتظار ليرسم بنفسه قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في المنطقة، معتمداً على عدالة قضيته وجاهزية أبنائه.
* المقال نقل من الميادين نت ويعبر عن رأي الكاتب

