كيف طوّعت الرأسمالية الخطاب الإسلامي لخدمة السوق؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
الرأسمالية هي دين المصلحة المادية، أو الاعتقاد الذي يرى بأن الكسب المادي وثقافة المصالح أهم من أي اعتقاد أو مبادئ دينية أو أخلاقية، وفي حال تعارضت الرأسمالية مع الدين فإن الغلبة للرأسمالية، وهذا ما كرسته السياسة الغربية في العالم بالقوة أو بالترغيب، وكان لذلك الأمر تأثيرٌ سلبي على المعتقدات الدينية والمفاهيم الأخلاقية العظيمة التي كانت سائدة في مجتمعاتنا قبل تفشي المرض الرأسمالي.
فعلى سبيل المثال، فإن إكرام الضيف بالنسبة للفكر الرأسمالي مجرد إهدار للمال والجهد، وهو بذلك يتجاوز المنظومة الأخلاقية المعروفة بين شعوب العالم، وعوضاً عنها يتم رأسملة الضيافة وتحويلها إلى مطاعم وفنادق ومنتجعات تدر على أصحابها الأموال ولو على حساب القيمة الأخلاقية للمجتمعات، والنتيجة هي التلاشي التدريجي لمكارم الأخلاق ليحل محلها ثقافة مادية قائمة على التربح والاستثمار لكل شيء تقريباً.
والأخطر هي رأسملة الدين الإسلامي نفسه، فالرأسمالية لا تتعارض مع الدين، كما هو حال الشيوعية، لكنها (أي الرأسمالية) تطوع الدين لصالح أهدافها المادية البحتة، وصرنا نسمع رجال دين يروجون للرأسمالية بدعاوى مختلفة، مثل أن الدين يحترم الإثراء الفردي ويشجع على ثقافة الاستهلاك، وأن الدين أيضاً يواكب العصر ومراحل تطوره.
ومن مظاهر رأسملة الدين إباحة البيع بالربا، أي أن الديون تتحول إلى استثمارات تدر أضعاف قيمتها الأصلية، ومثل هذا التمرير يحتاج إلى فتاوى عقائدية بدأت من الرياض، وكيل الرأسمالية الغربية في العالم الإسلامي، وأكد فقهاؤها نصاً: "أن بعض المعاملات البنكية الحديثة أو السندات قد تندرج تحت 'المصالح المرسلة' أو يُمكن تكييفها كاستثمارات وتوفير وليس ربا الجاهلية المحرم، نظراً لتغير طبيعة النقد والأسواق".
وبذلك فتحت السعودية منفذاً لإباحة المحرمات بذريعة "تغير طبيعة السوق"، ما أدى إلى صعود ما يسمى بـ"إسلام السوق" أو "التدين البرجوازي"، حيث تتماهى قيم الاستهلاك والرفاهية مع المظاهر الدينية، وتتحول بعض العبادات والمعاملات إلى سلع تجارية ومشاريع استثمارية ضخمة تلائم النمط الرأسمالي العالمي.
وقد يبرر البعض بأن مرجعيات دينية أخرى سمحت بالربا و'إسلام السوق' قبل السعودية، وهذا صحيح؛ ولكن السعودية تقدم نفسها كمنظّر للإسلام بحكم سيطرتها على الحرمين الشريفين، لذا فإن الفتوى الصادرة منها تختلف ثقلاً وتأثيراً عن أي مصدر آخر للإفتاء.
وكان بإمكان المملكة أن تتصدى لرأسملة الدين بضراوة وبحملات مشددة، كدأبها في مواجهة الأحرار من أبناء الأمة حمايةً للكيان الصهيوني، لكنها أعرضت وتماهت، قبل أن تتبنى علانيةً مبادئ الرأسمالية التي يراها البعض داعية للتفسخ والانحطاط من أجل المال. وإن قيام محمد بن سلمان بفتح المراقص ودور الترفيه في بلاد الحرمين تم أيضاً بمبررات ربحية واقتصادية، تقوم على مقولة إن المملكة أولى بأموال السياحة والترفيه التي ينفقها السعوديون في الخارج.
وفي هذا الإطار، وقع الخطاب الديني المعاصر تحت وطأة الهيمنة الثقافية الغربية بهدف تبرير النزعة الاستهلاكية وتأصيلها شرعياً. ويتجلى هذا التبرير عبر آلية "الاجتزاء السياقي" للنصوص الدينية، حيث تُنزع الآيات والأحاديث من فضاءاتها الأخلاقية والروحية الواسعة وتُسقَط على الواقع الرأسمالي المعاش.
على سبيل المثال، يتم استدعاء نصوص واضحة مثل حديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، أو حديث: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، ليجري تأويلها بشكل حصري وسياق مادي ضيق يربط "العلو" و"القوة" بالقدرة المالية التنافسية والثراء الفاحش وحدهما. وهذا النمط من التفسير يحول الغنى من وسيلة لتمكين المجتمع وتحقيق التكافل إلى غاية ممدوحة لذاتها، مما يمنح الممارسات الاحتكارية ونمط الحياة البورجوازي غطاءً عقائدياً يبرر الجشع ويشرعن الفوارق الطبقية الهائلة.
وفي مقابل هذا التشويه الحداثي، نجد أن الدين الإسلامي — في جوهره الأصيل وتشريعاته المالية — يحث على السعي، وطلب الرزق، وعمارة الأرض بالخير والنوايا الحسنة، لكنه يربط كل ذلك بـ "فلسفة الاستخلاف". فالمال في المنظور الإسلامي هو "مال الله" والإنسان مستخلف فيه، وضوابط كسبه وإنفاقه مشروطة بعدم إلحاق الضرر بالآخرين ووجوب تزكيته عبر الزكاة والصدقات لتحقيق التوازن النفسي والعدالة الاجتماعية.
أما المنظومة الرأسمالية، فقد أقحمت مفاهيمها الخاصة القائمة على النفعية المطلقة، ومبدأ "التراكم لأجل التراكم"، وعبادة النمو اللانهائي، ليتحول جمع الثروات، وبناء القصور، وتضخيم الحسابات البنكية إلى "معايير للقيمة الإنسانية" وغاية وجودية في حد ذاتها. والأنكى من ذلك، أن رأسملة الدين عملت على "مأسسة" هذه السلوكيات الجشعة، وألبستها ثوباً شرعياً يربط التوفيق الإلهي وحب الله بنسبة الأرباح السنوية وحجم التدفقات النقدية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

