غدير خُم.. الولاية كمنهج حياة وطريق لانبعاث الأُمَّــة الإسلامية
شاهر أحمد عمير*
ليست ذكرى يوم الغدير مُجَـرّد صفحة مطوية في سجل التاريخ الإسلامي، ولا هي مُجَـرّد مناسبة عاطفية تُحييها القلوب لتعبّر عن ولائها للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
إنها في جوهرها وبُعدها الاستراتيجي تُمثل إعلان المنهج، وتحديد معالم الطريق لسيادة الأُمَّــة واستقرارها المعرفي والسياسي، مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.
فعندما وقف النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في رمضاء غدير خُم رافعًا يد الإمام علي قائلًا: "من كنتُ مولاه فعلي مولاه"، لم يكن يضعُ أَسَاسًا لعلاقة عاطفية عابرة، كان يرسم معالم القيادة المستنيرة والامتداد الرسالي الذي تحتاجه البشرية لتواصل سيرها نحو العدالة والكمال.
إن سِرَّ قوة الأُمَّــة الإسلامية ومفتاح نهضتها يكمُنُ في ذلك الرابط الوثيق الذي أكّـد عليه النبي في حديث الثقلين المتواتر حين قال: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض".
هذا التلازم يعكسُ رؤيةً عميقة ترتكز على أن كتاب الله هو النص الإلهي الحامل للتشريعات والمبادئ العامة، بينما تمثل العترة الطاهرة الترجمان الفعلي لهذا النص، والنموذج الحي الذي يُجسد العدالة في واقع الحياة، ويحمي الأُمَّــة من التفسيرات المشوهة والاجتهادات المنحرفة.
وإن فصل القرآن عن عدله، وهو القيادة الربانية المتمثلة في الولاية، هو الذي فتح الباب تاريخيًّا أمام الانقسامات، وحوّل الأُمَّــة من جسد واحد قوي إلى كيانات ممزقة تتنازعها الأهواء السياسية والمصالح الضيقة.
وإذا نظرنا إلى واقع الأُمَّــة الإسلامية اليوم، سنجدها تعيش حالة من الضعف والشتات والتبعية، حَيثُ تتقاذفها الأمواج السياسية، وتستبيح مقدراتها القوى الخارجية في مشهد يبعث على الأسى.
هذا الواقع المؤلم ليس قضاءً مبرمًا لا فكاك منه، هو النتيجة الطبيعية للتخلي عن مركز التوجيه والقيادة الحكيمة الذي رُسم في الغدير.
فلو أن الأُمَّــة تمسكت بهذا الامتداد الرسالي، لما تفرقت بها السُبل، ولما غرقت في مستنقع الصراعات الداخلية التي أهدرت طاقاتها وجعلتها في مؤخرة الأمم، بدلًا من أن تكون كما أراد الله لها خير أُمَّـة أُخرجت للناس.
إن هذا الامتداد الإيماني لولاية الحق لا ينفصل عن واقعنا المعاصر، إنما يتجسد اليوم بوضوح في قيادة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، الذي يقدم نموذجًا حيًّا للمنهج القرآني والمسار المحمدي الأصيل.
فمن خلال قيادته الحكيمة وشجاعته في مواجهة قوى الاستكبار العالمي، يبرز الربط العملي والواقعي لولاية الإمام علي كعامل أَسَاسي في تحقيق العزة والحرية والكرامة والسيادة، وإعادة ربط الأُمَّــة بهُويتها الإيمانية وثقافتها القرآنية لمواجهة التحديات الراهنة والتحرّر من الوصاية الأجنبية.
إن ولاية الإمام علي عليه السلام تقدم للعالم اليوم أسمى قيم الحكم والإدارة، هي نموذج قائم على العدالة المطلقة التي لا تحابي قريبًا ولا تقصي بعيدًا، والمساواة وحفظ الكرامة الإنسانية كما تجلت في عهده لمالك الأشتر حين قال: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أَو نظير لك في الخلق"، فضلًا عن حماية المستضعفين والدفاع عن حقوق الأُمَّــة في مواجهة المستكبرين.
فإن إحياء ذكرى الغدير اليوم يجب أن يتجاوز حدود الشعارات والاحتفالات التقليدية، ليتحول إلى وعي جماعي بضرورة العودة الصادقة إلى الثقلين، والالتفاف حول القيادة القرآنية المباركة.
إنها دعوة لإعادة ترتيب أولويات الأُمَّــة، والالتفاف حول المنهج المحمدي الأصيل.
وفقط عندما تجد الأُمَّــة بوصلتها وتتمسك بولاية الحق والعدل، ستستعيد عزتها وهيبتها المسلوبة، وتملك القدرة على الريادة وتقديم النموذج الحضاري المشرق الذي ينقذ الإنسانية من تخبطها، تحقيقًا لغاية النجاة والفوز الحضاري.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسير نت

