السياسية - وكالات :


عند المدخل الشرقي للقدس، تقف بلدة العيزرية كجسدٍ فلسطينيٍّ مثقلٍ بالحصار، تحاول أن تتنفس بين الجدران والمستوطنات والطرق الالتفافية. بلدةٌ يقطنها نحو 55 ألف فلسطيني، تحولت من عقدة وصل حيوية بين شمال وجنوب الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة لمشاريع استيطان وهدم تهدد وجودها وهويتها ومستقبلها.


لطالما شكّلت العيزرية شريانًا اقتصاديًا وتجاريًا مهمًا، إذ تحتضن أكبر شارع تجاري في المنطقة، وتستقطب آلاف العاملين والمتسوقين يوميًا. إلا أن هذا الدور الحيوي بات مهددًا مع تسارع المخططات الصهيونية الرامية لربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بمدينة القدس، وفرض مشروع “E1” الذي يسعى عمليًا إلى خنق البلدة وعزلها جغرافيًا وديمغرافيًا.


خلال السنوات الماضية، واجهت العيزرية موجة متواصلة من أوامر الهدم والإخلاء التي طالت عشرات المنشآت التجارية والمنازل السكنية، بذريعة “البناء غير المرخص”. لكن مسؤولين محليين يؤكدون أن هذه الذرائع ليست سوى غطاء لمخطط استيطاني يمر في قلب البلدة، ويستهدف تمزيق نسيجها الاقتصادي والاجتماعي.


رئيس بلدية العيزرية، خليل أبو الريش، يصف المشهد بمرارة، لـ وكالة سند للأنباء الفلسطينية، قائلاً إن العدو الإسرائيلي استولى على نحو 7 آلاف دونم من أراضي البلدة لصالح مستوطنة “معاليه أدوميم”، ولم يتبقَ للسكان سوى نحو 2400 دونم فقط. هذا التضييق الخانق دفع الأهالي إلى البناء العمودي في محاولة يائسة لمواجهة الاكتظاظ السكاني المتزايد.


ويضيف أبو الريش أن العيزرية تضم اليوم قرابة 55 ألف نسمة، بينهم نحو 20 ألف مقدسي، إضافة إلى آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية الذين لجؤوا إليها بحثًا عن عمل أو مسكن أو فرصة حياة. ويحذر من أن المشاريع الاستيطانية لا تهدد العيزرية وحدها، بل تضرب في الصميم أي أمل بإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، خاصة مع تحويل البوابة العسكرية الشرقية قرب دوار “معاليه أدوميم” إلى كابوس يومي يعطل حياة الناس وحركتهم.


وفي الجهة المقابلة لبلدة الزعيم، تلوح تهديدات جديدة، إذ يخطط الكيان الصهيوني لإقامة مدينة سياحية وفنادق على أراضٍ خاصة تعود لأهالي المنطقة، بما في ذلك أراضي رأس العيادرة. مشاريع يرى فيها السكان خطرًا مضاعفًا يهدد استقرار البلدة، خصوصًا المقدسيين الذين لجؤوا إلى العيزرية هربًا من سياسات سحب الهويات وغلاء المعيشة داخل القدس.


من جهته، يوضح مسؤول ملف الوسط في هيئة الجدار، صلاح الخواجة،أن تجمع العيزرية وأبو ديس والسواحرة يضم كتلة بشرية ضخمة، لكنها محاصرة بالكامل بالجدار والاستيطان والطرق الالتفافية، ما حولها فعليًا إلى “غيتو” مغلق. ويشير إلى أن العدو الإسرائيلي يسعى لمصادرة آلاف الدونمات الإضافية، بما فيها أراضٍ تعود لتجمع جبل البابا البدوي، وأراضٍ مملوكة للأردن والوقف المسيحي، ضمن مخطط أشمل للتوسع نحو القدس الكبرى.


أما الحقوقي والمحامي خالد زبارقة، فيصف هذه المخططات بأنها انتهاك صارخ لحقوق الملكية الخاصة، ومساس مباشر بالقانون الدولي الذي يحظر تغيير وضع الأراضي المحتلة. ويؤكد أن الهدف سياسي بحت: منع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وتحويل الوجود الفلسطيني إلى جيوب معزولة في مقابل كتل استيطانية يهودية كبرى.


وفي السياق ذاته، يحذر ناصر الهدمي، مسؤول الحملة المقدسية لمناهضة الهدم والتهويد، من أن استهداف العيزرية بالعزل سيؤدي إلى شلل في حركة التجارة والمواصلات، ويعمّق معاناة السكان اليومية. ويشير إلى أن هذه المشاريع نوقشت مرارًا في أروقة حكومات العدو الإسرائيلي، باعتبارها “حلًا ديمغرافيًا” لصالح المستوطنين، عبر تقليص الوجود الفلسطيني ودفعه خارج القدس ومحيطها.


الناشط الإعلامي محمد أبو الريش يرى أن القرارات الأخيرة ستغلق العيزرية فعليًا، وتعزلها عن رام الله وأريحا، مع غموض يلف الطرق البديلة المقترحة، ما يعني مسافات أطول وأزمات نقل أشد، وانكماشًا حادًا في الحركة التجارية التي تشكل عصب حياة البلدة.


هكذا، تقف العيزرية اليوم عند مفترق مصيري: بلدة تحاصرها الجدران والمستوطنات، لكن أهلها ما زالوا يتمسكون بها كآخر خطوط الصمود شرق القدس. صراعٌ على الأرض والهوية، يتجاوز حدود بلدة صغيرة، ليعكس صورة أوسع لمعركة الفلسطينيين من أجل البقاء في وجه مخططات الاقتلاع والعزل.