القطاع الصحي.. 11 عاماً من الدمار والمعاناة جراء العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي
السياسية - تقريرII مهدي البحري ***
شهد الوطن على مدى 11 عاماً من العدوان والحصار الأمريكي السعودي الإماراتي، تدهوراً غير مسبوق في مختلف مناحي الحياة، وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تضرراً، فقد حصد العدوان آلاف الضحايا من الأطفال والنساء والرجال، وخلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية الصحية، متسبباً في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
وقد أدى انهيار القطاع الصحي إلى ارتفاع أعداد الضحايا من المواطنين، ومعدلات الوفيات وانتشار الأمراض والأوبئة، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة الحصار، وأصبح ملايين المواطنين يواجهون ظروفاً صحية قاسية، مع عدم القدرة على الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
ويعد ما تعرض له اليمن، على مدى 11 عاماً من أهم النماذج الحية لانتهاك القوانين والأعراف الدولية، والتواطؤ الدولي المعيب مع المعتدين.
في الـ 26 من مارس عام 2015م، نفذ تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي أول جرائمه بحق الشعب اليمني بسفك دماء 75 مدنياً في منازلهم في بني حوات بالعاصمة صنعاء، فكانت أم حامل وجنينها أول ضحايا هذا العدوان الغاشم.
لم يتوقع الكثيرون أن ما حدث لم يكن سوى تدشيناً لجرائم ستكون أبشع وأوسع من قبل طيران العدوان الذي أمعن في ارتكاب العديد من المجازر وجرائم الإبادة والحصار المستمر الذي أثر بشكل كبير على كل مناحي الحياة، وفي مقدمتها الجانب الصحي متسبباً بكارثة إنسانية تتزايد باستمرار الحصار وتعد الأسوأ عالمياً باعتراف المنظمات الإنسانية ولجنة الخبراء وفقاً للمؤشرات والتداعيات الكارثية التي خلفتها.
وأوضح تقرير صادر عن وزارة الصحة والبيئة حصلت وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، على نسخة منه أن عدد الشهداء والجرحى منذ بداية العدوان حتى 26 مارس 2026م الذين وصلوا إلى المستشفيات بلغ 60 ألفاً، منهم 24 ألف شهيد، و36 ألف جريح.
وبين أن عدد الشهداء الأطفال بلغ ثلاثة آلاف و243 طفلاً، والجرحى خمسة آلاف و19 طفلاً، فيما بلغ عدد الشهداء من النساء ثلاثة آلاف و250 امرأة، والجرحى ثلاثة آلاف و436 امرأة.
وأشار التقرير إلى أن عدد الشهداء من الكوادر الطبية والإسعافية الذين تم استهدافهم بشكل مباشر أثناء تأدية واجبهم 66 طبيباً ومسعفاً، مؤكداً أن العدوان تسبب في زيادة نسبة الإعاقة في البلاد بنسبة 300 في المائة.
وأفاد بأن عدد الشهداء من المدنيين، منذ بداية خفض التصعيد المتفق عليه مع العدو السعودي الأمريكي في 1 أبريل 2022م، بلغ ألفاً و97 شهيداً، والجرحى ستة آلاف و532 جريحاً، منهم 920 طفلاً و428 امرأة.
وفيما يخص الاعتداءات على الحدود، ذكر التقرير أن إجمالي عدد الشهداء اليمنيين منذ بداية العدوان بلغ 972 شهيداً وثلاثة آلاف و660 جريحاً، فيما بلغ عدد ضحايا اللاجئين الأفارقة 103 قتلى وألف و671 جريحاً.
في حين بلغ إجمالي عدد الشهداء اليمنيين جراء الاعتداءات على المناطق الحدودية منذ بداية الهدنة في 1 أبريل 2022، 297 شهيداً وألفي جريح، وبلغ عدد الضحايا من اللاجئين الأفارقة 54 قتيلاً وألف و251 جريحاً.
وأضاف التقرير أن العدوان استهدف المنشآت الصحية بشكل مباشر حيث تم تدمير 670 مرفقاً صحياً وسيارة إسعاف، منها 165 تم تدميرها بشكل كلي و376 تدّمرت بشكل جزئي، ونحو 129 سيارة إسعاف بالقصف المباشر أثناء قيامها بمهامها الإسعافية ظاهرة عليها الإشارة الدولية.
ونوه إلى أن الاستهداف بالقصف المباشر والمتعمد للمنشآت الصحية تسبب في ضغط كبير على القطاع الصحي وخروج أكثر من 55 في المائة من المرافق الصحية عن العمل، فيما بقيت 45 في المائة من المرافق الصحية تعمل بالحد الأدنى.
وذكر التقرير أنه تم تدمير 21 مستشفى بشكل كلي و51 مستشفى بشكل جزئي في 14 محافظة، وكانت محافظتا حجة وصعدة من أكثر المحافظات التي تم استهداف مرافقها الصحية بشكل مباشر، حيث تم تدمير ثمانية مستشفيات في صعدة كليًا ومستشفيين بشكل جزئي، وتدمير أربعة مستشفيات في حجة كليًا، وخمسة مستشفيات تدّمرت بشكل جزئي، تليهما أمانة العاصمة بتضرر 12 مستشفى بشكل جزئي، ثم محافظات صنعاء والحديدة وعمران وتعز.
ولفت التقرير إلى أنه تم تدمير مصنع للدواء ومصنعين للأوكسجين بشكل مباشر، مؤكدًا أن التقديرات الأولية تشير إلى أن تكلفة الخسائر الناجمة عن القصف المباشر للمنشآت الصحية من قبل العدوان بلغت سبعة مليارات دولار، فضلا عن تسبب العدوان في مغادرة أكثر من 95 في المائة من الكوادر الطبية الأجنبية العاملة في البلاد، وهجرة واستقطاب أكثر من سبعة آلاف من الكوادر الطبية اليمنية التخصصية للعمل خارج الوطن مما أثر على القطاع الصحي.
وأفاد بأن العدوان تسبب في وفاة مليون و400 ألف مواطن نتيجة الحصار وتفشي الأمراض وسوء التغذية.
وتطرق التقرير إلى نقص الأدوية والمستلزمات الطبية ومنها الأدوية المنقذة للحياة والتخدير ومشتقات الدم وأدوية الأمراض الوراثية والسرطان والأمراض المزمنة وزارعي الكلى وجلسات الغسيل الكلوي والأدوية الموجهة والمحاليل المخبرية والتشخيصية، فضلا عن توقف عمل عدد من المصانع الدوائية المحلية بسبب منع دخول المواد الخام والإجراءات التعسفية التي مورست من قبل مرتزقة العدوان بعدم انسيابية وسلاسة دخول الأدوية والمستلزمات الحيوية.
وأكد أنه تم حرمان مئات الآلاف من المرضى الذين يحتاجون إلى علاج متخصص، من السفر للعلاج في الخارج خاصة مرضى الأورام وجراحة القلب، ومنع دخول البعثات الطبية الأجنبية التي أبدت استعدادها لإجراء جراحات دقيقة، لافتاً إلى أن أكثر من 90 في المائة من المرضى لا يستطيعون السفر بسبب الظروف الاقتصادية والإجراءات التعسفية ضد المرضى في المطارات الخاضعة لسيطرة مرتزقة العدوان.
وحسب التقرير فإن هناك ثمانية آلاف من مرضى الغسيل الكلوي يصارعون الموت نتيجة قلة الأدوية الخاصة بهم، مؤكداً وفاة خمسة آلاف من مرضى الغسيل الكلوي نتيجة الحصار وعدم إدخال محاليل الغسيل وأجهزة الاستصفاء الدموي.
وتابع "هناك 100 ألف مريض من مرضى السرطان يقاتلون المرض نتيجة الحصار الذي تسبب بنقص 60 في المائة من الأدوية الخاصة بهم، وانعدام عشرة أصناف رئيسية منها".
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 40 ألفاً من مرضى الثلاسيميا وانحلال الدم الوراثي يواجهون خطر الموت بسبب قلة الأدوية ومنع دخولها عبر مطار صنعاء الدولي ومنها أدوية سحب الحديد والمحاليل الخاصة بهم، مؤكداً وفاة 684 مريضاً من أصل ثمانية آلاف و430 يواصلون علاجهم في المركز العلاجي للجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا.
ولفت إلى تراجع نسبة الاستيراد إلى60 في المائة في القطاع الدوائي بسبب الإجراءات التعسفية، وتوقف أكثر من 83 مستورداً كانوا يوفرون أكثر من ألف و329 صنفاً من الأدوية عن الاستيراد، وانعدام كثير من أدوية الهيموفليا وأمراض اللوكيميا بنسبة 30 في المائة، مبيناً أن هناك 600 حالة من مرضى سرطان اللوكيميا تحت العلاج منهم 200 حالة تحتاج للسفر للخارج لزراعة نخاع العظم.
ووفق التقرير هناك أكثر من ثمانية آلاف و685 من الحالات مستعصى علاجها داخل الوطن للأعوام من 2021 إلى 2025م، و77 ألفاً و412 من المرضى الذين هم بحاجة للسفر للخارج من عام 2018 إلى 2025م، و15 ألفاً و482 من الحالات العاجزة عن السفر للخارج بسبب الحالة المادية، فيما هناك 12 ألفاً و251حالة عاجزة عن السفر بسبب الحصار على مطار صنعاء.
وفنّد التقرير المرضى الذين هم بحاجة للسفر في الخارج للعام 2025م، وهم ألف و154 مريضاً لإجراء المسح الذري، و117 مريض لديهم تشوهات خلقية قلبية، و65 بحاجة لزراعة قرنية، و109 حالات فشل كبدي، وثلاث حالات لزراعة نخاع العظم.
وفيما يتعلق بالآثار الإنسانية الناجمة عن العدوان فقد أدى الحصار إلى تفاقم الوضع الإنساني والتغذوي، حيت تشير الإحصاءات أن ما يقارب 2.3 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم 500 ألف حالة سوء تغذية حاد شديد، و1.8 مليون حالة سوء تغذية حاد متوسط، وما يقارب مليون طفل مصابون بسوء التغذية المزمن (التقزم)، وأكثر من 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة تعاني من سوء التغذية الحاد.
كما أن هناك300 حالة يتم تسجيلها شهرياً من المواليد وناقصي الوزن الذين يعانون من سوء التغذية منها 55 حالة تحال للرقود هم بحاجة إلى حليب خاص بسوء التغذية الحاد والوخيم (N70، و N100)، وتوقف كثير من البرامج الصحية نتيجة تراجع الدعم المقدم من المنظمات الدولية بسبب تسييس العمل الإنساني.
وأدى الاستهداف المباشر للقطاع الصحي وإخراج كثير من المراكز الصحية عن الخدمة والاستهداف المتعمد للمشاريع المرتبطة بالبيئة كالمياه والصرف الصحي ومنع دخول الوقود الذي تسبب بتعطيل محطات المعالجة والصرف الصحي، إلى انتشار كثير من الأوبئة وتوطينها وتحورها في أكبر كارثة منذ عام 2017، إضافة إلى نزوح كثير من المدنيين الذين استهدفت مساكنهم ما أدى لعدم حصولهم على المياه النظيفة وعدم كفاية الصرف الصحي بسبب الاكتظاظ، وشكلت أمراض الإسهالات أكثر من 40 في المائة، من الوفيات في المرحلة الحادة وخاصة لدى الأطفال دون سن عامين بسبب سوء التغذية والمناعة.
وذكر التقرير أن عدد الحالات المشتبهة بالإصابات بالأمراض الوبائية من العام 2016 وحتى مارس 2024، بلغ 22 مليوناً و788 ألفاً و333 حالة، منها 11 ألفاً و188 حالة وفاة، وخلال الفترة من 2024 حتى الأسبوع التاسع من 2026، تم تسجيل 15 مليوناً و144 ألفاً و101 حالة اشتباه بالإصابة بالأمراض الوبائية، منها ألف و861 حالة وفاة.
وحمّلت وزارة الصحة دول العدوان تداعيات الكارثة الصحية جراء عدوانها على اليمن وتدميرها الممنهج للقطاع الصحي وما اقترفته من جرائم ما زالت قائمة حتى الآن، مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بإلزام الأطراف المسؤولة عن الحصار بتحمل التبعات القانونية والإنسانية وفق أحكام القانون الدولي.
كما طالبت بفتح مطار صنعاء الدولي أمام جميع الرحلات الإنسانية والتجارية بصورة مستمرة ولوجهات متعددة وشركات ناقلة متعددة للتخفيف من معاناة المرضى ووصول الإمدادات والأدوية بصورة آمنة ومبرّدة.
ودعت الوزارة إلى فتح جميع الموانئ ورفع الحصار البحري بما يضمن وصول المستلزمات الطبية والأدوية وتحييد الجانب الإنساني والدوائي عن أي إجراءات تعسفية تفرضها دول العدوان ومرتزقتها بما يشمل سلسلة إمدادات آمنة للنقل والشحن والإيصال للأدوية والمستلزمات الطبية.
كذلك طالبت بمنع الإجراءات التعسفية التي تُفرض في المنافذ البرية والبحرية الخاضعة لسيطرة المرتزقة فيما يتعلق بالأدوية والمستلزمات الطبية المتجهة إلى صنعاء.
وأكدت وزارة الصحة إن استمرار الحصار يشكل جريمة حرب جماعية بحق المدنيين ويعد انتهاكاً فاضحاً لكل الأعراف الإنسانية والمواثيق الدولية وانتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف وبروتوكولاتها ويُعد جريمة حرب بمقتضى نظام روما الأساسي، ويستدعي تدخلاً عاجلاً من الأمم المتحدة وكافة المنظمات الإنسانية لإنهاء هذه المعاناة غير المسبوقة.
وذكّرت الوزارة، المجتمع الدولي بأن الحق في الحياة والصحة والغذاء والدواء هو حق إنساني مطلق لا يجوز المساس به تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية.. لافتة إلى أن رفع الحصار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية هو مسؤولية قانونية وأخلاقية وإنسانية جماعية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
سبأ

