السياسية || محمد محسن الجوهري*

في الفكر الليبرالي الحديث، ليس للمعتقدات والأفكار أي قداسة، سواء كانت دينية أو سياسية أو قومية أو فلسفية، فمن حق الإنسان أن ينتقد أي فكرة يراها باطلة أو ظالمة أو خطيرة، ومن حقه أن يرفضها ويجادلها ويحذر منها، لأن حرية التفكير لا تعني تحصين الأفكار من النقد. ولهذا ينتقد الناس الفاشية والشيوعية والنازية والتطرف الديني وغير ذلك من الأيديولوجيات لأنها في ذاتها تشكل خطراً على الآخرين من غير المعتقدين بها.

وهذا هو السائد في الغرب الذي لا يؤمن بأي مقدسات ويرى بأن الإنسان أكبر من الاختلافات الفكرية، لكن الأمر سرعان ما يتغير عند الحديث عن الصهاينة اليهود باعتبارهم فكراً متطرفاً يؤمن بالحق في إبادة الآخرين، عندها ينتفض العالم الغربي المتحضر باعتبار اليهودية دين مقدس ينبغي احترامه كما هو، رغم أن نظرته إلى الآخر هي الأسوأ بين كل المعتقدات الوضعية في العالم.

ونحن هنا نعتبر اليهودية ديناً وضعياً، أي من صنع البشر، فمن غير المنطقي أن ننسب أفعال اليهود في فلسطين إلى الخالق -سبحانه وتعالى- فاليهود، بأفعالهم تلك، يشوهون التعاليم الإلهية التي جاءت لتحرير البشر لا لاستعبادهم، والقبول بهم يعني القبول بمعتقداتهم التي تجيز القتل بالهوية للعرب ولغيرهم من المجتمعات وتعتبر ذلك حقاً دينياً مقدساً وموثقاً في مراجعهم وأسفارهم المعروفة.

وإذا احتكمنا إلى الليبرالية نفسها بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين، فإن اليهودية كفكر سياسي وعقائدي يجب أن تُعامل معاملة النازية والفاشية للأسباب نفسها، فالدين اليهودي ليس مقدساً في حد ذاته إلا بالقدر الذي يحترم فيه حق الآخرين في الحياة، وهذا ليس وارداً في واقعهم أو معتقداتهم، فهم يسيؤون للإنسانية مع كل خطوة يخطونها نحو القوة، وما يحدث في فلسطين ولبنان شاهد خطير على الإرهاب اليهودي ووجوب التصدي له لكونه خطراً إنسانياً وأخلاقياً وتطرفاً دينياً يجب مقارعته بكل الوسائل المتاحة، بما فيها منعه من تكريس ثقافة القتل والإبادة بين أعضائه والمناصرين له.

ولو افترضنا أن اليهودية عبارة عن عقائد وطقوس يعتنقها أصحابها ويمارسونها بعيداً عن الإضرار بالآخرين لما حق لنا أن ننتقدها، بل ويلزمنا الدفاع عن أصحابها وتأمين شعائرهم وأماكنهم الدينية، وهذا ما فعله العرب طيلة 1400 سنة من التعايش بينهم وبين اليهود، ولم يشفع ذلك في حماية الإنسان العربي، فقد عمدوا إلى قتل العرب والتنكيل بهم فور استقواء شوكتهم على أرض فلسطين، رغم أن التاريخ الفلسطيني لا يذكر أي اعتداءات بحقهم.

وبدلاً من إدانتهم، يذهب الغربيون إلى إدانة القرآن الكريم واتهامه بالإرهاب والتحريض على اليهود، رغم أن الكتاب الكريم هو الضامن الوحيد لسلامة البشرية وسلامة التعايش عندما أنبأنا عن حقيقة اليهود ونظرتهم الدونية للآخرين، وكيف سيكون حال البشر إذا وقعوا تحت رحمتهم، وفي ذلك الإنباء إعجاز كبير ينبغي الوقوف عنده والتعامل معه بجدية، فالقرآن لا يحرم التعايش بل يحذرنا من العقائد التي تهدد التعايش وكيف ينبغي التعامل مع أصحابها من قبل وقوع الكارثة بزمنٍ طويل، وعندما أعرضنا عنه كانت النتيجة هي الكم الهائل الذي نعاينه بشكلٍ يومي من الإجرام والقتل بالهوية على يد اليهود.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب