التلاعب السعودي بالدين واللسان والهوية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في المناطق اليمنية المحتلة، نجران وعسير وجيزان، فرض النظام السعودي على المواطنين ثقافات أخرى غير ثقافتهم الأصلية، بدايةً من العقيدة الدينية وانتهاءً باللهجات المحلية وحتى الأزياء الشعبية، وكل ذلك تم بالترغيب والترهيب، وكان للتنمر الرسمي والإعلامي دوراً كبيراً في الحط من الهوية اليمنية، فيما اشترطت المدارس والوظائف زياً موحداً يتناقض مع أي ثقافة كانت سائدة في المناطق اليمنية.
أرادوا لليمني أن يتخلى عن الهوية اليمنية التي في جوهرها تقدس الدين ومبادئ المروة ومكارم الأخلاق، ليجعلوا منه كائناً مدجناً، يؤله الحاكم السعودي ويقدس سياساته حتى لو تعارضت مع الدين ومبادئ الفطرة الإنسانية، والنتيجة هي ما نراه اليوم في بعض المدن المحتلة من مزيج ثقافي رخو ينفر من الحق ومن أي دعوة لمقارعة الظلم، وهذا النموذج تم تعميمه في كل المناطق الخاضعة للحكم السعودي بما فيها بلاد الحرمين، التي باتت تعظم الملك السعودي أكثر من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وترى بأن آل سعود فوق مستوى النبوة.
ولأن كل خلل ثقافي يبدأ بانحراف متعمد في مبادئ الدين، جرى أولاً فرض العقيدة الدخيلة عبر حملات "الوهبنة" الممنهجة التي قادتها المؤسسة الدينية الرسمية طوال العقود الماضية؛ حيث جرى استهداف "نجران" ذات الأغلبية الإسماعيلية، ومناطق عسير وجيزان ذات الامتداد الشافعي والزيدي. وتمثلت الشواهد في هدم الحواضر العلمية القديمة، ومنع التدريس بالمناهج الفقهية المتوارثة، وإحلال خطباء وموجهين قادمين من نجد فرضوا رؤية أحادية تكفّر الآخر المحلّي أو تُفسّقه، وصاحب ذلك تهميشٌ متعمد للمرجعيات الدينية والقَبلية الأصيلة واستبدالها بشخصيات تدين بالولاء المطلق للأسرة الحاكمة.
ومن الشواهد على هذا التلاعب المتعمد بالهوية، ما تعرضت له اللهجات المحلية من تضييق وإقصاء داخل المؤسسات التعليمية والإعلامية، حيث جرى تقديم اللهجة النجدية بوصفها النموذج “الرسمي” الذي ينبغي تقليده، بينما صُوِّرت اللهجات اليمنية على أنها علامة تخلف أو مادة للسخرية والتنمر، الأمر الذي دفع كثيراً من أبناء تلك المناطق إلى التخلي التدريجي عن مفرداتهم الأصلية خشية التمييز أو الإقصاء الاجتماعي.
ويظهر الشاهد هنا في "الدراما والبرامج الكوميدية السعودية" التي دأبت طوال سنوات على حصر اللهجة التهامية (المشتركة بين جيزان والحديدة) أو اللهجة الجبلية في قوالب السخرية والتندر، وربطها بالجهل أو المهن الدونية، مما خلق عقدة نقص اجتماعية دفع بالأجيال الجديدة -تحت ضغط التنمر- إلى التخلي عن نبرتهم الأصيلة، واصطناع اللهجة النجدية للاندماج في الوظائف والمجتمع الجديد.
كما طال التشويه الأزياء والعادات الاجتماعية المرتبطة بالهوية اليمنية، فاختفت تدريجياً كثير من الرموز التراثية التي كانت تعبر عن خصوصية نجران وعسير وجيزان، وحلّت محلها أنماط دخيلة جرى الترويج لها باعتبارها معيار “التحضر” والانتماء الوطني، حتى أصبحت بعض المظاهر الشعبية القديمة تُمارس في نطاق ضيق أو في المناسبات التراثية فقط، بعد أن كانت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية للسكان.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الثقافي فحسب، بل امتد إلى إعادة تشكيل الوعي التاريخي للأجيال الجديدة، عبر تغييب الامتداد اليمني التاريخي لتلك المناطق من المناهج والخطاب الإعلامي، وتقديم رواية أحادية تختزل التاريخ في إطار السلطة السياسية القائمة، بما يؤدي مع مرور الزمن إلى قطع الصلة بين الإنسان وجذوره الحضارية، وتحويل الهوية من انتماء طبيعي متجذر إلى مجرد ولاء سياسي مفروض بالقوة والدعاية.
النتيجة هي ذلك "المزيج الثقافي الرخو"، فهو النقيض الحاد الذي تعيشه تلك المناطق اليوم؛ فبعد عقود من التعبئة الدينية المتشددة التي جففت المنظومة الأخلاقية القبلية، قُلبت الآية دفعة واحدة عبر "هيئة الترفيه"، ليتحول المجتمع من التزمت المفروض إلى الانفتاح المبتذل. وأصبح الاستهزاء بالمقدسات الإسلامية، وتقديم الولاء الأعمى لـ "ولي الأمر" في مواقفه المتخاذلة تجاه قضايا الأمة (وعلى رأسها القضية الفلسطينية)، معياراً للمواطنة الصالحة، مما يثبت نجاح مشروع التدجين في عزل تلك المجتمعات عن محيطها العربي والإسلامي المقاوم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

