أمريكا أم الإرهاب
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إنّ العدوان الأمريكي على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يشكّل انتهاكاً صارخاً لكل القيم والمبادئ التي يزعم العالم المعاصر الدفاع عنها، ويكشف بوضوح أن واشنطن تمارس الإرهاب كسياسة ممنهجة، وتتموضع في موقع العداء الصريح لحقوق الإنسان وحريات الشعوب وسيادتها، الأمر الذي يفرض على الأحرار في العالم اتخاذ موقف واضح وحازم في مواجهتها ورفض هيمنتها.
وحادثة مادورو ليست الأولى في تاريخ الإجرام الأمريكي، حيث يصعب العثور على دولة مارست التدخل الخارجي المنهجي، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية التي تحولت منذ مطلع القرن العشرين إلى ما يشبه المختبر المفتوح للانقلابات، والاغتيالات، والحصار، وصناعة الفوضى، وكل ذلك تحت شعارات براقة من قبيل "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" و"مكافحة الشيوعية" ثم لاحقاً "مكافحة الإرهاب".
فمنذ إعلان "مبدأ مونرو" عام 1823، الذي زعم حماية الأمريكيتين من التدخل الأوروبي، بدأت واشنطن عملياً بتكريس حق حصري لها في التحكم بمصائر دول أمريكا اللاتينية. ومثل هذا المبدأ الغطاء الأيديولوجي الأول لتحويل القارة إلى مجال نفوذ أمريكي خالص، تُدار فيه الأنظمة السياسية والاقتصادية بما يخدم الشركات الأمريكية ومصالح النخبة الحاكمة في واشنطن.
في غواتيمالا عام 1954، أطاحت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً برئاسة جاكوبو أربينز، فقط لأنه تجرأ على المساس بمصالح شركة "يونايتد فروت". جرى الانقلاب تحت مسمى "إنقاذ البلاد من الشيوعية"، لكنه فتح الباب لعقود من الديكتاتورية والمجازر والحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف. كان ذلك نموذجاً مبكراً لكيفية تعامل واشنطن مع أي رئيس يخرج عن طاعتها.
وفي تشيلي، بلغ التدخل الأمريكي ذروته عام 1973، عندما دعمت واشنطن انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي. لم تكتفِ الولايات المتحدة بتمويل المعارضة وإشاعة الفوضى الاقتصادية، بل شاركت بشكل مباشر في التخطيط للانقلاب الذي انتهى بمقتل أليندي داخل القصر الرئاسي. بعد ذلك، دخلت تشيلي في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخها، حيث ساد الاعتقال والتعذيب والاغتيال، بينما كانت واشنطن تعتبر بينوشيه "حليفاً موثوقاً".
أما كوبا، فقد شكلت منذ انتصار ثورتها عام 1959 هاجساً دائماً للإدارة الأمريكية. حاولت واشنطن اغتيال فيديل كاسترو عشرات المرات، وفرضت حصاراً اقتصادياً خانقاً لا يزال مستمراً حتى اليوم، في محاولة لتركيع الشعب الكوبي وإسقاط نظامه. فشل الاغتيال والحصار لم يدفعا الولايات المتحدة إلى مراجعة سياساتها، بل إلى مزيد من العداء والعقوبات الجماعية.
في نيكاراغوا، دعمت الولايات المتحدة ميليشيات "الكونترا" في الثمانينيات لإسقاط الحكومة الساندينية، ومولت حرباً قذرة اعترفت لاحقاً محكمة العدل الدولية بعدم شرعيتها. ورغم الإدانة القانونية، لم تُحاسب واشنطن، ما عزز قناعتها بأنها فوق القانون الدولي.
ولم يقتصر السلوك الأمريكي على الانقلابات والاغتيالات غير المباشرة، بل امتد إلى الاعتقال والإهانة العلنية لرؤساء دول. في بنما عام 1989، غزت القوات الأمريكية البلاد واعتقلت الرئيس مانويل نورييغا ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، في مشهد جسّد بوضوح عقلية الهيمنة وازدراء سيادة الدول. لم يكن الهدف "تطبيق العدالة"، بل إرسال رسالة لكل من يفكر بالخروج عن الخط الأمريكي.
فنزويلا بدورها كانت ولا تزال هدفاً دائماً للضغط والتآمر. منذ عهد هوغو تشافيز، ثم في زمن نيكولاس مادورو، استخدمت واشنطن كل أدواتها: العقوبات الاقتصادية، دعم الانقلابات الناعمة، الاعتراف بحكومات موازية، والتحريض الإعلامي والدبلوماسي. لم يكن الخلاف مع فنزويلا خلافاً على "الديمقراطية"، بل على استقلال القرار السياسي والسيطرة على الثروات، وعلى رأسها النفط.
من هنا، فإن أي عدوان أو مؤامرة أو تدخل أمريكي جديد لا يمكن فصله عن هذا السجل الأسود. فواشنطن التي تتحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، هي أول من داس هذه القواعد، وأول من حول الإرهاب من فعل معزول إلى سياسة دولة. وأمريكا اللاتينية، بدماء قادتها وشعوبها، شاهدة حيّة على أن الولايات المتحدة لم تكن يوماً أمّ الديمقراطية، بل كانت، ولا تزال، أحد أبرز صانعي الإرهاب السياسي في العصر الحديث.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

