العمالة لأمريكا ليست معارضة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إنّ أي معارضةٍ في أي بلدٍ من بلدان العالم تتماهى مع المشروع الأمريكي الهادف إلى احتلال بلادها أو مصادرة قرارها السيادي، إنما هي شكلٌ صريح من أشكال العمالة والخيانة. فالمعارضة في معناها الحقيقي، تُبنى على اختلافٍ في الرؤى داخل الإطار الوطني، لا على الارتهان للخارج ولا على الاستقواء بالقوى الأجنبية التي لا تتحرك إلا وفق مصالحها الخاصة، ولو كان ثمن ذلك تدمير الأوطان وتشريد شعوبها.
وقد رأينا هذا النموذج بوضوح في فنزويلا، حيث سارع بعض المعارضين إلى الترحيب بالتدخل الأمريكي وبعملية اعتقال رئيس البلاد، في مشهدٍ فاضح كشف زيف الشعارات التي طالما كرروها بها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان. فكيف لمن يدّعي الحرص على وطنه أن يبارك عدواناً خارجياً، أو يصفق لإجراء ينتهك سيادة بلاده ويحوّلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية؟
المعارضة الحقيقية تُبنى من الداخل، وتستمد مشروعيتها من الشعب لا من السفارات، ومن الإرادة الوطنية لا من غرف الاستخبارات. أما الارتهان لأمريكا أو لغيرها من القوى الاستعمارية، فليس معارضة، بل سقوط أخلاقي وسياسي، وخيانة صريحة لحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الوصاية والعدوان.
ومن هنا يتأكد لنا أن أغلب الجماعات والأحزاب التي تُصنِّف نفسها معارضة في اليمن، أو في أيٍّ من ساحات محور المقاومة، ليست سوى الشكل الأرخص من العمالة والعبودية للمشروع الأمريكي. فقد أثبتت الوقائع أن هذه الكيانات لا تتحرك إلا ضمن الهوامش التي ترسمها واشنطن، ولا ترفع صوتها إلا حين يُطلب منها ذلك، ولو كان الثمن تمزيق الأوطان وإغراقها في الفوضى.
وقد رأينا في بلادنا بوضوح كيف تتدخل الولايات المتحدة لتوحيد شتّى المجرمين، على اختلاف انتماءاتهم ومسمياتهم، تحت راية واحدة تُسمّى زوراً "المعارضة"، في مواجهة المشروع القرآني الذي يستند إلى الاستقلال والسيادة ورفض الوصاية الأجنبية. ولم يكن هذا التوحيد إلا دليلاً إضافياً على أن الرابط الحقيقي بينهم ليس الوطن ولا هموم الشعب، بل العداء لأي مشروع تحرري يخرج عن بيت الطاعة الأمريكي.
وعليه، فإنّ كل الأحزاب والجماعات المنضوية تحت ما يُسمّى بالتحالف السعودي – الإماراتي ليست سوى العمالة بذاتها، بلا مواربة ولا أقنعة. ومن العار على شعبٍ حرٍّ كالشعب اليمني أن يقبل بوجود مثل هذه الأدوات في جسد وطنه، إذ إن بقاءها يتعارض بصورة مباشرة مع سيادة البلاد، ويمسّ كرامة المواطن اليمني، ويشكّل خطراً دائماً على حريته وقراره ومستقبله.
والخيارُ الأصوب هو خيارُ الشعب منذ الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، والمتمثّل في الرفض المطلق للوصاية الأمريكية وكل أدواتها المحلية والإقليمية. فهذا النموذج هو الذي ينبغي أن يتكرر في سائر الدول الحرة، ولدى الشعوب الطامحة إلى التحرر من هيمنة الطاغوت الأمريكي، إذ إن كل أشكال الشراكة أو التساهل مع عملاء واشنطن لا تؤدي إلا إلى تشجيعهم على التمادي في الخيانة والارتهان للعدو الخارجي.
وما يجري في لبنان وسورية يقدّم مثالًا واضحًا على هذه الحقيقة، فبرغم اختلاف المسميات والعقائد والشعارات بين تلك الجماعات، إلا أن النتيجة واحدة: أدوات متفرقة تخدم مشروعًا خارجيًا واحدًا، وتعمل على تعطيل أي مسار وطني مستقل يحفظ السيادة ويصون القرار الحر.
أما في إيران، فإن من يخرج على النظام السياسي من بوابة الارتهان للخارج، أو التماهي مع المشاريع الأمريكية والغربية، إنما يكشف موقعه الحقيقي خارج الصف الوطني. ولا يمكن التعامل مع هذه الظواهر إلا بمنطق الوعي والمواجهة السياسية والعسكرية، وترسيخ العقيدة الاستقلالية التي تقوم على رفض التبعية، وحماية الدولة من الاختراق، والحفاظ على وحدة المجتمع وسيادته.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

