كيان الأسدي*
نحن اليوم أمام منعطفٍ تاريخيٍّ بالغ الحساسية، نحتاج فيه إلى موقفٍ واضحٍ ومسؤول، موقفٍ لا يُختزل في كونه إيرانيًّا، بل موقفًا إقليميًّا عاقلًا يعبّر عن تطلعات المرحلة المقبلة، في حال أقدم ترامب على شنّ عدوانٍ على الجمهورية الإسلامية. فإسقاط هذا النظام ـ إن حصل ـ لن يكون ضرره محصورًا بإيران وحدها، بل سيفتح أبواب الجحيم على المنطقة بأسرها، ويجرّ معها ويلاتٍ لا تُحمد عقباها على الأمن والاستقرار والتوازنات القائمة.
ويقع على العراق، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، أن يكون في طليعة المتصدّين لهذا الخطر، ولو من باب ردّ الدين السياسي والأخلاقي، فضلًا عمّا تمثله إيران من عمقٍ استراتيجي وعقَدي لشريحةٍ واسعة من الشعب العراقي. إن تجاهل هذه الحقيقة أو القفز فوقها ليس إلا مقامرةً بمستقبل البلاد والمنطقة.
إن غياب الموقف الرسمي الواضح ينذر بحالة ضياعٍ عام، ويشي بخوفٍ مكتوم مما هو آتٍ. هذا التخوف لم يعد حكرًا على دولةٍ دون أخرى، بل أصبح حالةً عامة في عموم دول المنطقة؛ الجميع يتحسس رقبته، ويترقب مصيره، ويضع عينه على منصبه. وإذا ما أصاب نظام الجمهورية الإسلامية مكروه، فلن تتوقف التداعيات عند حدود طهران، بل ستتطاير المناصب، وتهب رياح ترامب العاتية حتى على دولٍ قدّمت له الولاء والطاعة، وفي مقدمتها السعودية.
كثيرون اليوم منشغلون بسؤال: كيف ستكون الضربة؟ ما شكلها؟ ما حجمها؟ ما لونها؟ وهذه أسئلة، وإن بدت مهمة، إلا أنها تتعلق بكيفية الرد، لا بجوهر الموقف. فالموقف يجب أن يُبنى على مبدأ، لا على تفاصيل الضربة. ومهما كان نوع العدوان وشكله، فإن غياب تحالفٍ حقيقي من الدول التي أدركت أن رياح هذا “المعتوه” ستصل إليها عاجلًا أم آجلًا، سيجعل شهيته للإجرام والبطش مفتوحة بلا حدود. والدولة التي تُضرب أو تتضعضع اليوم، سيصبح وجهها الآخر شبيهًا بوجه أرض الصومال؛ فكل ضربةٍ أمريكية لا تأتي وحدها، بل ترافقها دائمًا قدمٌ إسرائيلية، تثبت في الجسد المنهك للمنطقة.
والحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها، أن ترامب اليوم أحوج ما يكون إلى إيران شاهنشاهية، قوية متسلطة، تفرض سيطرتها على الإقليم بما يخدم مصالحه، ليُفرغ هو طاقته في صراعاته الكبرى مع أوروبا وروسيا والصين، ويواصل “فتوحاته” العنجهية على طريقة إمبراطورٍ متوهم.
إنه فرعون هذا الزمان، الذي قال ـ بلسان الحال لا المقال ـ: «أنا ربكم الأعلى»، وواجبنا الأخلاقي والتاريخي أن نكفر بهذا الطغيان، لا بالصمت، ولا بالحياد الزائف، بل بالموقف الواعي الذي يدرك أن النار إذا اشتعلت في بيت الجار، فلن تلبث أن تمتد إلى بيوتنا جميعًا.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب