مستقبل العرب مرهون بانتصار إيران
السياسية || محمد محسن الجوهري*
الحقيقة التاريخية تؤكد أن أميركا والغرب عموماً لا يحترمون عملاءهم إلا بالقدر الذي يتحركون به ضد أعدائها من أحرار الأمة، وأولهم إيران الإسلامية. فبقاء حكام الخليج ورفاهية شعوبهم مرهون بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وفي حال سقوط النظام ستسقط معه كل الأنظمة العميلة وأولها آل سعود وآل نهيان. فما المبرر لبقائهم في السلطة، وإنفاقهم لمبالغ هائلة من عائدات النفط الذي تراه واشنطن ملكاً حصرياً لها، وما كانت لتنفق منه شيئاً عليهم لولا عداؤها لرجال إيران الأحرار.
وشواهد الواقع التاريخي تؤكد ذلك بوضوح: ففي العام 1979، حين انتصرت الثورة الإسلامية في إيران وسقط نظام الشاه المدعوم أميركياً، انهارت استراتيجيات الغرب في المنطقة. لم تعد واشنطن تملك حليفاً قوياً في قلب الخليج، ولم يكن بمقدورها استبداله ببديل قادر على مواجهة النفوذ الإيراني الجديد، ولذلك عمدت إلى تقوية عملائها الخليجيين وضاعفت من حصتهم النفطية ليضمنوا ولاء شعوبهم، كما سمحت بقيام إمبراطوريات اقتصادية في الخليج، كتلك التي في دبي، لتثبت أن حلفاء واشنطن في وضعية أفضل من المتمردين عليها.
ولو رفعت واشنطن دعمها عن حكام الخليج، لانهارت الدول الخليجية اقتصادياً وسياسياً خلال فترة وجيزة، فالهياكل الاقتصادية القائمة على النفط والاستثمارات الأجنبية ستنهار بلا حماية أو توجيه خارجي، وستتفجر المشاكل الاجتماعية والسياسية التي حاولت هذه الأنظمة كبتها طوال عقود. وسيصبح الحكام عاجزين عن فرض السيطرة على شعوبهم، ويزداد نفوذ القوى الإقليمية والداخلية المستقلة، خصوصاً الجماعات المعارضة والمقاومة الشعبية، فيما ستتحول الإمارات والسعودية ودول الخليج الأخرى إلى ساحات صراع داخلي وخارجي على النفوذ والثروة، ما يبرهن أن بقاؤهم في السلطة ليس قائماً على قوة حقيقية، وإنما على اعتماد كامل على الحماية والدعم الأميركي، وفور زوال هذا الدعم تتكشف هشاشة أنظمتهم واستلاب شعوبهم.
على المستوى السياسي والعسكري، فإن زوال الدعم الأميركي سيؤدي إلى انهيار سريع لمعظم التحالفات التي بنتها دول الخليج خلال العقود الماضية، وستفقد القدرة على التحكم في القرار السياسي الداخلي والخارجي. فالجيوش والقوات المسلحة التي تعتمد على التدريب والمعدات الأميركية ستصبح غير فعّالة، وسيصبح صانع القرار عاجزاً عن مواجهة أي تهديد خارجي أو داخلي، سواء من إيران الجديدة أو من أي قوة محلية مقاومة. كما أن مواقع النفوذ الاستراتيجي مثل قواعدها العسكرية والموانئ الحيوية ستصبح رهينة للضغوط الإقليمية أو الدولية، بينما سيزداد نفوذ المقاومة الشعبية والمليشيات المؤثرة على الأرض، وستضطر الحكومات الخليجية للرضوخ لمطالب شعوبها أو للتفاوض من موقع ضعف. كل ذلك يؤكد أن استقرار وحياة هذه الأنظمة ليست إلا منحة مؤقتة من القوة الأميركية، وفور انتهاء الحاجة لها تنهار تماماً، لتظهر هشاشة أنظمة لم تبنَ على إرادة شعوبها أو قوة ذاتية، بل على الاعتماد الكلي على الحماية الخارجية.
أما شعوب الخليج، فسينكشف لها الزيف الذي بنته أنظمة الحكم طوال عقود من الرفاه الاقتصادي المصطنع، الذي كان مدعوماً فقط بالموارد النفطية والسياسات الأميركية، وليس بقدرة حقيقية على التنمية أو الاستقلال. ومع نهاية مرحلة الرفاه، ستواجه الشعوب ارتفاعاً حاداً في البطالة، وتدهوراً في الخدمات العامة، وفقداناً لفرص التعليم والرعاية الصحية، فيما ستزداد تكاليف المعيشة وتفجر الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. وستصبح المجتمعات على موعد مع التحولات الكبرى التي لم تجرؤ الأنظمة على مواجهتها سابقاً، إذ سيكتشف المواطنون أن ولاء حكامهم لم يكن لشعوبهم، وإنما للضمان الخارجي الذي يحميهم من غضب الشعب.
والخلاصة أن مستقبل شعوب الخليج بأجمعهم مرهون ببقاء إيران حرة وقوية، لا بالولاءات الخارجية أو الرفاه المؤقت الذي منحته الأنظمة العميلة. فحين تزول الحماية الأميركية وتنتهي مرحلة الدعم المالي والسياسي، ستنكشف هشاشة الأنظمة، وسيواجه المواطنون واقعاً صعباً يعيدهم إلى أيام الفقر والتخلف، كما كانوا قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، إلا أن تتحرر تلك الشعوب من الهيمنة الأميركية وأدواتها وتلتحم بأحرار الأمة وأولها الشعب الفلسطيني المقاوم ومن تحالف معه في قضيته العادلة، فالصمود الشعبي ومقاومة الهيمنة الغربية هي الضامن الحقيقي لتوازن القوى وحماية الأمة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

