السياسية || صلاح المقداد *

في أعقاب الحادثة الغريبة العجيبة المُستهجنة لإختطاف الرئيس الفنزويلي ... مادورو من مخدعه في قصره المشيد الحصين داخل قاعدة عسكرية في العاصمة كاراكاس فجر الثالث من يناير الجاري من قبل قوات دلتا الأمريكية الخاصة، وإقتياده برفقة زوجته مكبلاً بالأغلال إلى داخل سجن بنيويوك تمهيداً لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات للولايات المتحدة وتهديد أمنها القومي، تأكد للجميع في هذا العالم الذي أبتلي بدولة شريرة مارقة تمارس القرصنة والإرهاب عليه، وتفرض وصايتها قسراً على دوله وشعوبه، أنه لا عاصم اليوم لأي دولة ذات سيادة أو رئيس أو ملك أو أمير، من قرصنة العم سام وإرهاب أمريكا وغطرستها واستكبارها وتفرعنها المدفوع بجنون عظمة زائف، وهي بهذا العمل الإرهابي المُجَرَم تجاوزت كل الحدود والتصورات والإحتمالات الممكنة والغير ممكنة وأتت بشيء يُدينها ويُؤكد مروقها عن الحق واستعلائها في الأرض .

وبحسب أكثر من مراقب ومحلل سياسي، فإن ما حدث في فنزويلا يُعد أكبر دليل وأبلغ برهان وشاهد حي على شيطنة أمريكا وتعديها لكل الحدود، حيث مارست هذه الدولة في العالم المُسماة الولايات المتحدة أعمال القرصنة البحرية المُجرمة دوليًا وأقدمت قبل اختطاف الرئيس الفنزويلي بعدة أيام على سرقة نفط بلاده المحملة على الناقلات من البحر وأرتكبت بذلك جرم من جرائم الحرابة وقطع الطريق، وبدت بفعلها المشين هذا أشبه ما تكون بلص متعجرف تافه لا دولة عظمى تدعي لنفسها مُثل وقيم ومبادئ تُمثلها وهي ليست من أهلها، وتتشدق بإحترام حقوق الإنسان وسيادة الدول وهي أول منتهك لها في العالم .

ولا يوجد تشريع أو قانون في العالم يُجيز لدولة ما أن تختطف رئيس دولة أخرى، وتقدمه للمحاكمة على خلفية تهم أعدتها له سلفًا، ولأن أمريكا لا تُؤمن ولا تعترف أساسًا بقوانين دولية أو تحترم تشريعات سماوية ، فقد أقدمت على ما فعلته بمادورو من منطلق الهمجية الإمبريالية والوحشية الإستعمارية التي تُمثلها وتنتمي لعالمها، وجاءت بما جاءت به من جرم مع سبق الإصرار والترصد ، كما عبر عن ذلك رئيسها المعتوه دونالد ترامب الذي ما انفك يُهدد ويتوعد هذه الدولة أو تلك وهذا الرئيس أو ذاك ويخوفه بمصير مادورو إن لم يخضع لإرادة أمريكا ومشيئتها، وهو منطق كل طاغي ومُتفرعن مُتعجرف عبر التاريخ .

ولأن مادورو يُناصب أمريكا وسياستها الإستعمارية والإستكبارية العداء، ولم يرضخ لها ويدين لها بالولاء والطاعة، فقد قررت واشنطن استهدافه على النحو الذي شاهده العالم بأسره في وقت سابق من الشهر الجاري، إذ ارسلت مجموعة من قواتها النخبوية لإختطافه في جنح الظلام من بين حراسه وجيشه وأجهزة مخابرات دولته وأمنها، ولم تراعي لبلاده حرمة أو تحترم سيادة واستقلال دولة ليس لها من ذنب إلا رفض الإملاءات والرغبات الأمريكية في الإستحواذ والتملك والسيطرة ونهب ثروات الغير بأي طريقة ووسيلة، وهو ما عبر عنه ترامب صراحة حين قال إن النفط الفنزويلي هو الهدف والغاية لإسقاط مادورو وإختطافه.

إن أمريكا بذلك العمل القبيح الذي استهدفت به رئيس دولة ذات سيادة تستهل فصلاً قديمًا جديدا من فصول ارهابها وإجرامها بحق الدول والشعوب الأصغر منها والتدخل في شؤونها وقمعها وفرض الوصاية عليها، وتُكرر بهذا وغيره من أعمالها الإجرامية والإرهابية ما كانت قد بدأت به منذ ظهورها على سطح الأحداث كقوة غاشمة وإمبراطورية كاسحة بدأت تاريخها الدموي الأسود بإبادة ملايين الهنود الحمر وسرقة أراضيهم وبلادهم ووطنهم قبل 250 عاما.

ثم إنه لا بَدَع أو غرابة بعد نجاح أمريكا في اختطاف رئيس فنزويلا من منزله بلباس النوم وبصحبته زوجته، أن نسمع من هنا وهناك أصوات مُستاءة وغاضبة عبر أصحابها عن سخطهم وإمتعاضهم الشديدين نتيجة ما حدث لمادورو، ومن تلك الأصوات الدكتور فائز أبو شماله، وهو - كاتب وباحث عربي معروف، الذي انبرى مُعلقًا على سبيل المثال لا الحصر هنا على تلك الحادثة الغريبة العجيبة لإختطاف رئيس دولة مستقلة هي فنزويلا بالقول :
"إن الرؤساء والملوك على هذه الأرض أكذوبة كبرى، فلا فخامة لرئيسٍ ولا جلالة لملكٍ ولا سمو لأميرٍ ولا معالي لوزيرٍ، وطالما أن أمريكا تُسيطر على مفاصل الكرة الأرضية، فقد يصبح الصعلوك زعيم العصابة ملكاً أو رئيساً، ويصير الفاشل الخبيث وزيراً، ويمسي الرئيس والأمير سجيناً مخطوفا".

وبحسب ما رآه الدكتور أبو شمالة فإن الغابة اليوم أصبحت تحت سيطرة الضبع الأمريكي المرقط، ولذلك فقد ترى الأرانب بثياب الأسود وتنبح الكلاب على الفيلة"!.

وتتفق آراء المحللين السياسيين على أن اعتقال الرئيس الفنزويلي على تلك الصورة المهينة من قبل أمريكا ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل يعتبرونها "جريمة سياسية متكاملة الأركان"، فضلاً عن كونها دليل فاضح على انهيار القيم التي تتغنى بها أمريكا منذ عقود طويلة.

ووفقًا لتحليلات المحللين السياسيين، فالدولة التي تُنصب نفسها وصيًا على الديموقراطية وحقوق الإنسان، هي ذاتها لا ترى في القانون الدولي سوى اداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم وتُهمل عند الحلفاء.

وقال محللون سياسيون :"إن ما أقدم عليه دونالد ترامب، أو ما عبد الطريق له، ليس تصرفًا شاذاً فحسب، بل سلوك استعماري عدواني غير سوي يعكس عقلية استعمارية متوحشة لا تعترف بالدول إلا بوصفها ساحات نفوذ لأمريكا، ولا تحترم الشعوب إلا إذا ركعت لها"، واصفين اعتقال الرئيس الفنزويلي والتآمر عليه كرئيس دولة ذات سيادة بمثابة اعلان صريح من واشنطن بأنها لا تُؤمن بالديموقراطية كما تزعم، إلا عندما تأتي بالدمى، ولا تعترف بالإنتخابات إلا إذا أفرزت عملاء للولايات المتحدة الأمريكية.

على أن الهدف الرئيس والأول لأمريكا من وراء حادثة اختطاف مادورو وسجنه يتمثل في نهب ثروة فنزويلا النفطية، وقد صرح ترامب وأعلن اعتزام واشنطن الحصول على 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي بأي طريقة كانت، وهذا هو السر الخفي والظاهر وراء ماحدث، وهو يؤكد مجدداً أن أمريكا ما كانت ولن تكون واحة للديموقراطية كما تدعي، بل هي مثال صاخب وسيئ لدولة مارقة شريرة، وقليل عليها أن تُوصف بالشيطان الأكبر!.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب