طوفانُ الجنيد*

قبل عقدين ونيّفٍ من الزمان، وفي خِضَمّ هجمةٍ استكباريةٍ عالميةٍ استهدفت كينونةَ الأمّة الإسلامية، ودينَها، وثرواتِها، وفي ظلّ حالةٍ من الضعف والخنوع والإذلال، انطلق من أرض الحكمة والإيمان مشروعٌ قرآنيٌّ، ونهجٌ محمديٌّ جهاديٌّ نهضويٌّ، على يد السيد العَلَم، المجاهد، القائد المؤسِّس، حسين بدر الدين الحوثي (سلامُ الله عليه)، كمنحةٍ ربّانيةٍ للأمّة الإسلامية عمومًا، ولليمنيين على وجه الخصوص.

فكان هذا المشروع القرآني نقلةً نوعيةً تغييريةً للواقع المرير الذي تعيشه الأمّة، وخلاصًا من التبعية والهوان، ونقطةَ تحوّلٍ كبرى – بفضل الله، وجهاد وتضحية الشهيد القائد، وصبر وثبات وتضحيات الشعب اليمني – إلى مسيرةٍ قرآنيةٍ، وشجرةٍ مباركةٍ أثمرت عزًّا وكرامةً ونهضةً، واستشعارًا عاليًا بالمسؤولية لم يكن في الحسبان.

ومن أبرز ثمار المشروع القرآني أنه إعادةُ الهوية الإسلامية والإيمانية للأمّة والشعب اليمني، والصحوة الإسلامية، والتحرّر من التبعية الفكرية والثقافية والمذهبية.
فقبل انطلاق المشروع القرآني، كان الواقع اليمني – كغيره من البلدان العربية – يعاني من اختراقٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ عميق؛ حيث كانت المشاريع المعادية، والثقافات الغربية، تعمل على تغييب الهوية الإسلامية، وإفراغ العبادات من مضامينها، ونشر الثقافات المغلوطة. فجاء المشروع القرآني ليُطلق ثورةَ وعيٍ شاملة، ويُعيد للأمّة بوصلة هويتها الحقيقية.

لم يكن المشروع القرآني مجرّد دعوةٍ لقراءة القرآن، بل منهجَ حياةٍ يربط النصّ القرآني بواقع الأمّة وتحدياتها. فقد قدّم الشهيد القائد معاني القرآن وتوجيهاته الإلهية بصورةٍ عملية، على قاعدة: عينٌ على القرآن، وعينٌ على الأحداث؛ ليكون دليلًا ومنهجًا في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية.

استطاع المشروع القرآني كسرُ حاجز الصمت والخوف السائد آنذاك خلال الشعار الذي أطلقه الشهيد القائد: (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام).
وبهذِه العبارات الخمس، تمّ كسرُ حاجز الصمت المفروض على الأمّة، وتحول الشعار من مجرّد هتافٍ إلى أداة تحرّرٍ من عقدة الخوف من القوى المستكبرة، وتعبيرٍ صريح عن رفض الهيمنة والتبعية.
كما عمل المشروع على تحرير العقل اليمني من التبعية الثقافية الغربية، ومن المشاريع الوهابية المدعومة إقليميًا، التي سعت إلى طمس المذهب الزيدي ومذاهب أهل البيت (عليهم السلام)، فأعاد المشروع الثقة بالنفس، وبالمنهج القرآني الأصيل.

ركّز المشروع القرآني على بناء الإنسان المؤمن الواعي، بوصفه الأساس لأي نهضةٍ حقيقية. وقد تجلّت هذه الثمرة بوضوح في صقل الشخصية اليمنية المؤمنة، الواعية، المسؤولة.
كما ركّز على ترسيخ الثقة بالله والوعد الإلهي؛ إذ كان من أبرز ما تناوله الشهيد القائد أزمةُ ضعف الثقة بالله التي عانت منها الأمّة. فعمل المشروع على ترسيخ الإيمان بوعد الله بالنصر للمستضعفين الصابرين، ما منح الشعب اليمني قدرةً نفسيةً ومعنويةً هائلة على التحدي والصمود.

عمّق المشروع القرآني روحَ المسؤولية والانتماء في نفوس اليمنيين تجاه الأمّة وقضاياها المصيرية؛ فلم يعد الهمّ محليًا ضيقًا، بل اتّسع ليشمل القدس وفلسطين بوصفها القضية المركزية للأمّة، وهو ما تجلّى بوضوح في المواقف الداعمة، والعمليات العسكرية، والمسيرات الشعبية المساندة لأهلنا في غزة.

ومن ثمار المشروع القرآني والذي يُعتبر الأهم هو التحوّل الاستراتيجي في موازين القوة والمكانة، إذ شهد اليمن تحوّلًا جذريًا واستراتيجيًا عميقًا في موقعه الجيوسياسي، من دولةٍ ضعيفةٍ منهكةٍ إلى فاعلٍ إقليميٍّ مؤثر، ومن التبعية إلى السيادة وامتلاك القرار.
فالقرار اليمني – الذي كان قبل المشروع يُصنع في السفارة الأمريكية، وكان اليمن ساحةً مفتوحةً للنفوذ الأجنبي، ومسرحًا للقواعد العسكرية – أصبح اليوم قرارًا وطنيًا مستقلًا، يرفض التدخل، ويدافع عن السيادة.
وبفضل ثورة 21 سبتمبر – إحدى ثمار المشروع القرآني – تحوّل اليمن إلى بلدٍ مُصنِّعٍ عسكريًا، يمتلك جيشًا مدرّبًا، ذا روحٍ إيمانيةٍ عالية. ولم تعد الصواريخ والسلاح حلمًا، بل واقعًا يفرض احترامه على الأعداء.
كما لم يعد اليمن طرفًا ضعيفًا أو متلقيًا للمساعدات فحسب، بل أصبح داعمًا ونصيرًا للقضايا العادلة في المنطقة، وقوةً إقليميةً تساهم في حفظ الأمن القومي، كما يتجلّى اليوم في الموقف الإيماني البطولي في نصرة غزة، وتهديد المصالح الإسرائيلية، وكسر هيبة قوى الاستكبار العالمي الأمريكي المجرم.

ختامًا:
المشروعُ القرآنيُّ حاضرٌ ومستمرّ رغم استشهاد مؤسِّس المشروع القرآني، يتمدّد، وينمو، ويتعاظم، بقيادة حامل اللواء القرآني، والعَلَم الربّاني، السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، مشروعًا عالميًا حيًّا، مصداقًا لوعد الله، ونموذجًا للمقاومة، والثبات، والصمود، والعزّة، والكرامة.
إنّ اليمنيّ اليوم – بفضل هذا المشروع المبارك – يعيش حرًّا عزيزًا شامخًا، يرفض الذل، ويقف في وجه أعتى قوى العالم دفاعًا عن دينه وكرامة أمّته، محقّقًا الوعد الإلهي: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب