تحت الهجوم اليومي.. قرية "دير شرف" ضحية مشروع ربط استيطاني شمال غرب نابلس
السياسية - وكالات:
لم تكن قرية دير شرف، الواقعة شمال غرب نابلس الفلسطينية، سوى نموذج للهدوء الريفي والحياة البسيطة، قبل أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لاعتداءات متصاعدة تنفذها ميليشيات المستوطنين، في محاولة لفرض واقع جديد يخدم مشروع ربط استيطاني بين مستوطنتي “شافي شومرون” و“قدوميم” الرعوية.
القرية، التي تتوسط المستوطنتين، أصبحت حلقة الوصل المنشودة في المخطط الاستيطاني، ولذلك تُستنزف أرضها وسكانها عبر سياسة ممنهجة تقوم على العنف، والترويع، وتدمير مصادر الرزق، في مسعى واضح لتهجير الأهالي قسرًا.
وخلال الأيام الماضية، شهدت دير شرف واحدة من أعنف الهجمات، وثّقها مقطع فيديو صادم، أظهر اعتداء مستوطنين على مسن أبكم وأصم بالهراوات والعصي، إلى جانب إحراق شاحنات وخيام ومنازل، في مشهد يعكس حجم الانفلات والعنف الموجه ضد المدنيين العزّل.
رئيس مجلس قروي دير شرف، شادي أبو حلاوة، وصف ما يجري لـ وكالة (صفا) الفلسطينية، بأنه “هجوم عنيف ومتكرر، يشكل جزءًا من واقع يومي يعيشه سكان القرية”.
ويؤكد أن المستوطنين اقتحموا مشتل الجنيدي، وخرّبوا محتوياته، وأشعلوا النيران في مركبات المواطنين، ما أدى إلى إصابة مسن ورجل آخر بكسور خطيرة.
ويضيف أبو حلاوة: “القرية تقع بين مستوطنتي شافي شومرون وقدوميم، والمستوطنون يريدون بكل بساطة تفريغها من أهلها لربط المستوطنتين معًا”.
ولم يتوقف الاستهداف عند الممتلكات والأرواح، إذ استولى المستوطنون قبل أقل من شهر على موقع المسعودية الأثري داخل أراضي القرية، وأغلقوه ببوابة حديدية، بعد أن حولوه إلى منطقة خاضعة لسيطرتهم. ويضم الموقع بيوتًا أثرية وسكة حديد تاريخية، باتت اليوم خارج متناول أصحاب الأرض.
ويشير أبو حلاوة إلى أن بُعد القرية عن المركز، وتباعد مناطقها الزراعية والأثرية، سهّل على المستوطنين الاستفراد بها، في ظل غياب أي حماية فعلية، مؤكدًا أن الاعتداءات “ليست حوادث عابرة، بل نمط متكرر وشبه يومي”.
ويتابع بأسى: “الهجمة الواحدة يشارك فيها ما لا يقل عن خمسين مستوطنًا، مدججين بالعصي والحديد، ويرشون غاز الفلفل على كل من يحاول التصدي لهم، حتى النساء لم يسلمن من الاعتداء”.
أما المزارعون، فقد حُرموا من الوصول إلى أراضيهم، وتحولت الزراعة – التي كانت شريان الحياة للقرية – إلى مخاطرة يومية. “أي شجرة أو نبتة خضراء مصيرها الحرق أو التكسير، والهدف واضح: كسر إرادة الأهالي ودفعهم للرحيل”، يقول أبو حلاوة.
وبفعل هذه الاعتداءات الممنهجة، تكبدت دير شرف خسائر فادحة في استثماراتها الزراعية، وضاعت مشاتل كانت تعيل عائلات بأكملها، في وقت تتصاعد فيه أعمال العنف الاستيطاني في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، وسط غياب أي دور رسمي فعّال لحماية المدنيين.
في دير شرف، لا يُمارَس العنف كفعلٍ عابر، بل كسياسة كاملة الأركان، تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها تمهيدًا لربط استيطاني جديد يُفرض بالقوة. قرية تُحاصر يوميًا بالنار والعصي، ويُستهدف فيها الإنسان والحجر والتاريخ معًا.
وبينما تتسارع خطوات الاستيطان، يبقى أهالي دير شرف في مواجهة مفتوحة مع مشروع اقتلاع لا يتوقف، يتمسكـون بأرضهم كآخر خط دفاع عن الحق والذاكرة والبقاء.

