السياسية || محمد محسن الجوهري*

تمثل تجربة الشهيد صالح الصماد نموذجًا لقيادة تشكّلت رؤيتها وسلوكها في إطار الثقافة القرآنية، بوصفها منظومة معرفية وقيمية تُعنى بتحرير الإنسان، وصيانة كرامته، وبناء المجتمع على أساس العدل والمسؤولية. وقد تجلت هذه الثقافة في مقاربته للشأن العام، حيث تعامل مع السلطة باعتبارها تكليفًا يرتبط بالقيام بالقسط، وحماية المستضعفين، والدفاع عن استقلال القرار، وفق التصور القرآني الذي يربط بين الإيمان والعمل، وبين الهداية والموقف.

انطلقت رؤية الصماد من مركزية مفهوم السيادة، بوصفه شرطًا لازمًا لقيام أي مشروع نهضوي مستقل، وهو مفهوم حاضر بوضوح في الخطاب القرآني الذي يرفض الخضوع لهيمنة الطغاة، ويؤكد أن الولاية الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين. ومن هذا المنطلق، جاءت مواقفه السياسية منسجمة مع ثقافة قرآنية ترى في التبعية مدخلًا لإفقاد الشعوب هويتها وإرادتها، وفي الاعتماد على الله ثم على الإمكانات الذاتية أساسًا للصمود والثبات.

ويُفهم الشعار الذي ارتبط باسمه «يدٌ تبني ويدٌ تحمي» ضمن هذا السياق الثقافي، باعتباره تعبيرًا عمليًا عن معادلة قرآنية تجمع بين الإعداد والبناء، وبين القوة والعمران. وقد انعكس هذا الفهم في السياسات التي أُقرت خلال فترة رئاسته، حيث جرى التركيز على تفعيل طاقات المجتمع، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير قدرات الردع، مع السعي للحفاظ على استمرارية المؤسسات التعليمية والخدمية، رغم ظروف الحرب والحصار.

وتكشف الخلفية الفكرية للصماد عن تأثر عميق بالمنهج الذي أسسه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، والذي قدّم الثقافة القرآنية بوصفها أداة وعي وموقف في مواجهة مشاريع الاستكبار. وقد سعى الصماد إلى تجسيد هذا المنهج في الواقع السياسي، من خلال ربط الخطاب القرآني بالمسؤولية العملية، وتحويل القيم الإيمانية إلى معايير حاكمة في إدارة الدولة والمجتمع.

كما اتسمت تجربته بحضور واضح لمفاهيم قرآنية مركزية، مثل الصبر، والتوكل، والشهادة في سبيل الله، باعتبارها عناصر مؤسسة لثقافة الصمود لا مجرد مفردات خطابية. وقد شكّل استشهاده في سياق المواجهة امتدادًا طبيعيًا لهذه الثقافة، حيث جرى استيعابه ضمن منطق قرآني يرى في الشهادة انتقالًا إلى حياة أخرى، لا نهاية للمشروع أو انكسارًا للمسار.

في المحصلة، تعكس تجربة الشهيد صالح الصماد محاولة واعية لتقديم نموذج قيادة يستلهم الثقافة القرآنية في بعدها الحضاري، ويعمل على تنزيلها في واقع سياسي معقّد. وتكمن أهمية هذه التجربة في كونها تبرز إمكانية حضور القرآن كمرجعية فاعلة في بناء الموقف، وتشكيل الوعي، وإدارة الصراع، بما يجعلها محطة مهمة في مسار الحركات التي تسعى إلى إعادة الاعتبار للثقافة القرآنية بوصفها مشروعًا للتحرر والكرامة والعزة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب