السياســـية: تقرير // صادق سريع




حين يعبر الفلسطينيون من بوابة الموت في معبر رفح، بأزقته الضيقة المسيّجة بالأسلاك الشائكة التي تشبه حُفَر القبور، تستقبلهم العيون الليزرية الخفية في كل زوايا المكان، تلتقط وجوه المارين من بوابة الجحيم إلى فخاخ الموت في غزة.

في رحلة العذاب، يمر العابرون من بوابة الموت، كالعابرين من جسر الصراط يوم القيامة، ليس فقط لصرامة قواعده الأمنية في عمليات التفتيش الدقيقة لطوابير المرضى والجرحى وآلاف النازحين والعالقين الفلسطينيين منذ زمن، بل لأن المعبر تحوّل من بوابة للسفر إلى مصيدة لقبض الأرواح البريئة.

يقع معبر رفح الفلسطيني، الذي أُنشئ عام 1979، على الحدود الجنوبية لغزة مع مصر، والتي تُعرف باسم ممر فيلادلفيا (محور صلاح الدين)، وهو شريط رملي بطول 14.5 كيلومتر، إذ يشكّل شريان الحياة بين 2.3 مليون فلسطيني يعيشون في غزة والعالم الخارجي، ويُعدّ البوابة الوحيدة.

في عهد ما تُسمّى السلطة الفلسطينية المحبوسة في إحدى فلل الضفة الغربية، لا يُسمح بالدخول أو الخروج لأي فلسطيني من معبر رفح الفلسطيني إلا بإذن أمني مسبق من "إسرائيل"، وقد أصبح الوصول إليه، لمن استطاع إليه سبيلاً، بعد أن تحوّل إلى فخ لمن تبقّى من الأحياء الفلسطينيين الناجين في غزة من آلة العدو الصهيوني القاتلة.

وبعد إعادة فتح معبر رفح في 2 فبراير الجاري، المغلق منذ عامين، يُقال: "الداخل من المعبر مفقود، والخارج منه مُهجَّر". فعلى العابرين من بوابته الفولاذية، بأعجوبة، أحياءً ومرضى وجرحى ومعاقين، وحتى الموتى في التوابيت، الخضوع للفحص الأمني الصارم؛ ففي المعبر السيادة والقرار والقول والفصل لـ"إسرائيل" فقط، بينما يتكفّل الأمن المصري بتأمين البوابة وحماية الجنود الإسرائيليين، لا المواطنين الفلسطينيين، ولا حتى المصريين.

وعندما أدركت "إسرائيل" أن العرب المُطبِّعين يهرولون لركوب قطار التطبيع، حوّلت معبر رفح من محطة ترانزيت للعبور إلى بوابة سجن، أشبه بفخ داخل فخ، للضغط على المقاومة الفلسطينية، ومليوني فلسطيني سجين خلف أسوار القطاع، ولا يزال جيشها مستمرًا في تهجير وقتل المزيد من الأبرياء، وسط الصمت والخذلان العربي والعالمي المقيت.

والمأساة في غزة تتحدث عن نفسها بالأرقام؛ أكثر من 22 ألف جريح ومريض، بينهم نحو 5 آلاف حالة طارئة و440 حالة حرجة، تحت رحمة الألم في انتظار العلاج، في حين يُسمح لـ150 شخصًا فقط بالعبور كل يوم، بينهم 50 مريضًا، ضمن ما يُسمّى "الإطار الطبي".

في ذلك القطاع الصغير الذي حوّلته "إسرائيل" إلى مقبرة كبيرة مسيّجة بالحديد، كانت مدينة عريقة على البحر الأبيض المتوسط تنبض بالحياة، اسمها غزة، لكنها اليوم أصبحت منكوبة، مدمّرة، محاصَرة، مجوَّعة، ومطوّقة ببوابة مغلقة، يُمنع الأحياء والموتى من المرور منها، وإن سُمح للمساعدات الإنسانية والطبية العاجلة بالدخول، يكون ذلك بالقطّارة، وحسب مزاج الإسرائيلي والأمريكي فقط، لا وفق اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع قبل أربعة أشهر.

وعلى هذا الوضع الأمني البائس، يتحوّل معبر رفح إلى أداة صهيونية على بوابة الموت لهندسة مخطط التهجير وإحكام قبضة الحصار القاتل، أما ما يُقال عنه إن المعبر من أجل تخفيف معاناة الأحياء والمرضى والجرحى والنازحين في غزة، فالحكاية يبدو أنها ليست موجودة إلا في كتب الأساطير القديمة فقط.

وحينما سكتت الأصوات في كل دول العالم التي تدّعي الإنسانية، وهو عالم مرهون بفضائح جيفري إبستين، بقي صوت اليمن لا يعرف الصمت مع غزة، مع أصداء أصوات خافتة تخرج من أفواه ممثلي المنظمات الإنسانية الذين بُحّت أصواتهم وهم يحذّرون من تفاقم سوء الكارثة الإنسانية، لكن لا أحد في العالم مستعد لسماعهم.