محمد الفرح*

يعمل العدوّ الإسرائيلي جاهدًا على إفشال مفاوضات إسلام آباد بين طهران وواشنطن من خلال التصعيد في لبنان لتبقى حالة "اللا سلم واللا حرب"؛ بهَدفِ إبقاء المنطقة في حالة من الاستنزاف الدائم والتوتر المُستمرّ، واستمرار حالة الاستباحة، وإكمال مشروعه الهادف لتغيير وجه ما سمَّاه بـ"الشرق الأوسط"، والاستمرار في عدوانه دون تعويض أَو اتّفاق يقيد نشاطه العدواني، ودون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.

ومعلومٌ عن هذا العدوّ أنه يعيشُ حالة خوف دائم، ويخشى الخسائر المادية والبشرية، ولذلك يسعى إلى تحقيق أهدافه بأقل كلفة ممكنة.

ومن أبرز غايات هذه السياسة تثبيت حالة الاستباحة والفوضى؛ فالعدوّ الإسرائيلي لا يريد أن يتقيد بأية حدود، ولا يلتزم بأية قوانين أَو اتّفاقيات أَو معاهدات، فقط يسعى إلى إبقاء يده مطلقة ليستبيح أي بلد، ويغتال أي قائد، ويضرب متى شاء، دون مساءلة أَو التزام أَو تعويضات.

وفي غزة اليوم - رغم وجود وسطاء، ورغم أن حربًا كبيرة قد جرت وانتهت باتّفاقات وضمانات - إلا أنه يصر على إبقاء الساحة مفتوحة أمامه؛ يغتال ويدمّـر ويصعّد متى شاء.

وفي لبنان وسوريا، يريد أن تبقى الحالة العدوانية قائمة ومُستمرّة.

ويمكن تلخيص أبرز أهدافه من حالة "اللا حرب واللا سلم" في الآتي:

أولًا: استنزاف قوى الجهاد والمقاومة بصورة مُستمرّة،عبر الضربات المتقطعة، والاغتيالات، والحصار، والضغط الأمني والاقتصادي؛ بهَدفِ إضعاف البنية العسكرية والاجتماعية، وإرهاق المجاهدين نفسيًّا ومعنويًّا، دون الدخول في مواجهة شاملة باهظة الثمن.

ثانيًا: الحفاظ على زمام المبادرة والتفوق النفسي والعسكري؛ بحيث يبقى قادرًا على الضرب والتهديد في أي وقت، مع إبقاء خصومه في حالة ترقب وضغط دائم، ومنع تحقّق أي استقرار حقيقي يسمح ببناء القوة وتراكم الخبرات والتنظيم والاقتصاد، بحيث تبقى غزةُ ولبنانُ تحت أزمات وضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية متواصلة.

ثالثًا: تجنُّب الحرب الشاملة؛ فرَغم خطاب التهديد والحروب، فإن واقع كيان العدوّ الداخلي يعيش أزمات سياسية ومالية ونفسية، إضافة إلى حالة الإرهاق داخل الجيش؛ ولذلك يخشى الدخولَ في حرب واسعة قد تمتد إقليميًّا وتتحول إلى حرب استنزاف عليه، خُصُوصًا مع تطور قدرات حركات الجهاد والمقاومة.

رابعًا: توظيف حالة التهديد المُستمرّ داخليًّا؛ فمن خلال صناعة شعور دائم بالخطر، يبرّر عسكرة الدولة، وتغوّل السلطة التنفيذية، ويوحد الداخل، ويغطي الأزمات والانقسامات والفضائح الداخلية، ويهرب من المحاكمة، وقد اعتاد كِيان الاحتلال الهروب من أزماته عبر افتعال الحروب والتصعيد الخارجي.

خامسًا: خدمة مشروع الهيمنة الأمريكية والغربية في المنطقة؛ فحالة التوتر والاستنزاف المُستمرّ تفتح المجال لبيع الأسلحة، وبناء القواعد العسكرية، وفرض التدخلات السياسية والعسكرية بحجج مختلفة.

كتحقيق هدف رئيس من أهداف زرع هذا الكيان الغاصب ليكون رأس حربة يستنزف الأُمَّــة، ويمنع نهضتها، ويعمل على إخضاع المنطقة للهيمنة الغربية.

سادسًا: التمهيد للتطبيع وإعادة تشكيل الوعي العربي؛ فحالة "اللا سلم واللا حرب" تساهم في الترويض على الاحتلال والقتل والاغتيال والاستباحة، حتى تصبح الجرائم اليومية أمرًا مألوفًا لدى بعض الناس، وتساعد بعض وسائل الإعلام في تكريس هذا الواقع، مما يسهل على بعض الأنظمة تمرير مشاريع التطبيع، ويولد حالة من اليأس والإحباط وكأن هذا الواقع قدر لا يمكن تغييره.

وفي النهاية، يجب أن ندرك أن هذا العدوّ يحمل مشروعًا يسعى إلى تحقيقه، يتمثل في تغيير وجه "الشرق الأوسط" وبناء ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى"،

وهو مشروع قائم على تصورات توراتية محرفة ومعتقدات مشوهة، ولذلك فهو لا يريد الالتزام بأي قيود أَو مواثيق.

ولن يلتزم بأية اتّفاقيات أَو معاهدات، ولن تزحزحَه المفاوضات شبرًا واحدًا من الأراضي التي احتلها.

لكن، ورغم ما قد تحقّقه هذه الاستراتيجية من مكاسبَ مرحلية، فإنها تحمل تناقضًا كَبيرًا في داخلها؛ فهي قد تؤجل الانفجار، لكنها في الوقت نفسه تساهم في بناء القدرات، وتأهيل الكوادر، وتطوير الخبرات والتكتيكات الميدانية.

فعندما يُستشهَد قائدٌ يُبنى قادة آخرون، وعندما تُستنزف قدرات تُبنى قدرات جديدة أكثر تطورًا.

ومع تراكم الجرائم والدمار والاغتيالات، يتراكم الغضب والسخط داخل الشعوب، وتتولد قناعة أعمقُ بأهميّة الجهاد والمقاومة، وبأن هذا العدوّ لا يلتزم بأية مواثيق أَو معاهدات.

ولذلك فإن الشعوب، مع مرور الوقت، تعودُ إلى خيارات الجهاد والمقاومة؛ باعتبَارها الطريق الوحيد لمواجهة هذا المشروع.

* عضو المكتب السياسي لأنصار الله
* المقال يعبر عن رأي الكاتب