السياسية:
صلاح المقداد*



وعلى صعيد مُتصل بمساعي الكيان الحثيثة وخططه الجادة والمتواصلة لإقامة ما تسمى إسرائيل الكبرى التي ستبتلع أجزاء واسعة من العالم العربي وتمتد حدودها من النيل إلى الفرات، لا يمكن أن أُفوِت ضمن السياق المتصل بموضوع "مشروع إسرائيل الكبرى" إلى أن الحركة الصهيونية التي تأسست على أيدي "هرتزل" وغيره من غلاة اليهود المُتعصبين في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، قد أقتصر هدفها المُعلن آنذاك على البحث عن ما كانت تُسميه وتعتبره "ملاذ آمن" لليهود الذين يتعرضون للإضطهاد في أماكن مختلفة من العالم، وفقًا لما روجته وضخمته ماكينتها الإعلامية والدعائية حول مزاعم اضطهاد اليهود والمُبالغة والتهويل في هذا الموضوع، لتكسب تعاطف الغرب بالدرجة الأولى وكل من يجرمون ما يسمونه "معاداة السامية".

وغير بعيد مما تقدم ذكره فإنني أجد نفسي متفقًا هنا على سبيل المثال لا الحصر مع ما تناوله الباحث والكاتب حسن نافعة الذي أوضح في مقال له نشر في فبراير الماضي حول المرحلة الحاسمة من الصراع مع المشروع الصهيوني، بأن فلسطين التي احتلها اليهود واعلنوا قيام الكيان في أراضيها التي أحتلوها في عام 1948م بمساعدة بريطانيا، لم تكن الملاذ الوحيد المُقترح لليهود في ذلك الوقت .

وقد أوضح نافعة بالتحديد هذه النقطة بقوله: "كانت هناك ملاذات عدة مقترحة لليهود حينها ، شملت أوغندا في أفريقيا ، والأرجنتين في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، وحين نجحت (الحركة الصهيونية) في الحصول من بريطانيا على (وعد بلفور) بالمساعدة في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، اكتسبت الحركة الصهيونية في أعقاب ذلك الوعد المشؤوم زخمًا غير مسبوق، وبرزت كقوة لا يُستهان بها في الساحة الدولية" .

وبحسب نافعة :"فإن تاريخ فلسطين الذي يختزل دلالات ورموز عدة قد سمح للحركة الصهيونية بتعبئة وحشد جماعات يهودية مختلفة ترتبط فيما بينها بروابط دينية، دون أن تجمعها أية روابط عرقية أو ثقافية، عبر توظيف مُمنهج لأساطير دينية من قبيل "الأرض الموعودة" و"شعب الله المختار"، لإلباس الدعوة الصهيونية ثوب القومية الباحثة عن عودة "شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب"، ولأن فلسطين كانت في ذلك الوقت، ضمن الولايات العربية التابعة لإمبراطورية عثمانية على وشك الانهيار، فقد وجدت دول الاستعمار الأوروبي المُتطلعة لوراثتها في مساعدة الحركة الصهيونية لتحقيق أهدافها فرصة تضمن لها ولاء يهود العالم لها إبان الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بالفعل، وفي الوقت نفسه، غرس كيان غريب في المنطقة يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، ويحول دون قيام دولة عربية كبرى تحل محل دولة الخلافة الإسلامية" .

وليس هذا فقط بل يرى الكاتب نافعة الذي تتبع بعناية مسيرة الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري خطوة بخطوة في تلك الآونة : " "إن العالم العربي أجتاحته في ذلك الوقت أيضًا مشاعر قومية تدفعه إلى التطلع نحو الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية ، وقد لاحت أمام القوى الأوروبية آنذاك فرصة مزدوجة لاستغلال الحركتين الصهيونية والقومية العربية معًا ، وهذا ما يُفسر صدور "وعد بلفور" وإبرام "اتفاقية سايكس / بيكو" ، ومُراسلات "حسين - مكماهون" وظهور الجاسوس البريطاني الذي أشتهر بإسم "لورانس العرب" في المنطقة العربية لدعم "الثورة العربية الكبرى" التي قادها "الشريف حسين" حاكم الحجاز الذي وعدته بريطانيا بأن تُنصبه ملكًا على العرب ، مقابل محاربته للأتراك العثمانيين" .

ولأكثر من سبب ومُعطى ، يذهب نافعة وغيره من المحللين السياسيين إلى التأكيد : "إنه كان من الطبيعي أن يحدث التلاقي التام والعضوي بين أهداف ومصالح القوى الاستعمارية الغربية وأهداف المشروع الصهيوني ومصالحه ، وأن تتناقض في المقابل كليًا مع أهداف شعوب المنطقة ومصالحها في ذلك الوقت ، ما يُفسر خيانة بريطانيا للعرب وتنكرها لكل الوعود التي قطعتها لهم وانحيازها المطلق للحركة الصهيونية ، كما يُفسر لاحقًا تبني الولايات المتحدة الأمريكية هذا المشروع الاستعماري عقب تراجع مكانة أوروبا في النظام العالمي مع اقتراب هبوب رياح الحرب العالمية الثانية ، فلم تكتف الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على بريطانيا لحملها على التراجع عن قرار تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وإنما مارست أيضًا ضغوطًا مكثفة على دول عديدة أعضاء في الأمم المتحدة لتوفير الأغلبية اللازمة في الجمعية العامة لاعتماد قرار تقسيم فلسطين ، وبعد قيام الدولة اليهودية في جزء من فلسطين راحت هذه الدولة تتعهد بالرعاية إلى أن وصلت إلى مرحلة التوحش الراهنة التي يتحدث فيها بعض وزراء حكومتها علنًا عن الحق في إقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات ، وبدعم علني أيضًا من السفير الأمريكي الحالي في إسرائيل" .


..... يتبع .....


* المقال يعبر عن رأي الكاتب