السياسية - وكالات:

قال رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، الدكتور صلاح عبد العاطي، إن ما يجري في قطاع غزة لم يعد مجرد عدوان عسكري أو جولة جديدة من الصراع، بل بات، وفق تقديره، مشروعاً شاملاً لإعادة تشكيل البيئة الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يعيد صياغة العلاقة بين الشعب الفلسطيني وأرضه ومؤسساته ومستقبله السياسي.

وأوضح عبد العاطي لـوكالة" شهاب" الفلسطينية ، اليوم السبت، أن الحرب الجارية تُدار ضمن مقاربة وصفها بـ”هندسة اللاحل”، تقوم على إدارة الصراع بدلاً من حله، وإبقاء الحالة الفلسطينية في حالة تعليق دائم، ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وربط عمليات الإعمار والمساعدات بشروط سياسية وأمنية، في مقدمتها مسألة نزع السلاح.

وأشار إلى أن قطاع غزة، وفق هذا المسار، تحول إلى ما يشبه "المختبر المفتوح" لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني على عدة مستويات متزامنة، تشمل المستوى الديموغرافي عبر القتل الجماعي والتهجير وإعادة توزيع السكان، والمستوى الجغرافي عبر تدمير المدن والأحياء وإقامة مناطق عازلة، والمستوى الاقتصادي عبر ضرب البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، وصولاً إلى المستوى السياسي المتعلق بإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني ومحاولات إنتاج ترتيبات جديدة للحكم والإدارة والأمن.

وأكد عبد العاطي أن أخطر ما تشهده المرحلة هو الانتقال من الإبادة الجماعية المباشرة إلى ما وصفه بـ"الإبادة المركبة"، التي تستهدف شروط الحياة ذاتها من خلال التجويع والحرمان من الماء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، إلى جانب تفكيك النسيج الاجتماعي والأُسري، واستهداف قدرة الفلسطينيين على إنتاج نظام سياسي موحد وفاعل ومستقل.

وأوضح أن ما يجري على الأرض يعكس حدود مشروع الحسم العسكري"الإسرائيلي" بعد أكثر من عامين من الحرب، مشيراً إلى أنه لم ينجح في القضاء على المقاومة أو فرض قيادة بديلة أو تحقيق تهجير دائم، في مقابل تصاعد الضغوط الدولية والملاحقات القانونية والأزمات الداخلية، ما أدى إلى الانتقال نحو نموذج "إدارة الصراع" و"هندسة اللاحل" بدل الحسم.

وبيّن أن المفاوضات الجارية في القاهرة وعواصم أخرى لم تعد تقتصر على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني برمته، بما يشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة، والترتيبات الانتقالية، وطبيعة الأجهزة الأمنية، وآليات إعادة الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، ومستقبل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، إضافة إلى ملف سلاح المقاومة.

وشدد على أن هناك محاولات لتحويل مشاريع مثل "مجلس السلام" والإدارة الانتقالية وقوات الاستقرار الدولية إلى أدوات لإدارة القضية الفلسطينية بدل حلها، بما يعني نقلها من مسار التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال إلى مسار إدارة السكان والواقع الإنساني.

كما أوضح أن ملف الإعمار يجري التعامل معه كأداة ضغط سياسي وأمني تُربط بشروط مسبقة، في ظل استمرار السيطرة العسكرية على معظم مناطق القطاع وغياب التمويل الكافي، ما يهدد بتحويله إلى جزء من منظومة “هندسة اللاحل” بدل أن يكون مساراً للتعافي وإعادة البناء.

وأشار عبد العاطي إلى أن النظام السياسي الفلسطيني يواجه أزمة بنيوية عميقة، كشفتها الحرب والانقسام الطويل، من تآكل الشرعيات وتعطل المسار الديمقراطي واستمرار الانقسام وتراجع فاعلية المؤسسات، مؤكداً أن إعادة بناء النظام السياسي وتجديد الشرعيات واستعادة الوحدة الوطنية باتت ضرورة لمواجهة مشاريع التفكيك وإعادة الهندسة السياسية.

وأكد أن الورقة الوطنية التي يقترحها تتضمن برنامجاً للمرحلة المقبلة يقوم على تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، والضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل مستدام وغير مشروط، واعتبار الإعمار حقاً إنسانياً لا أداة ابتزاز، إلى جانب إنشاء آليات دولية لحماية المدنيين ومنع استخدام الاحتياجات الأساسية كسلاح في الصراع.

ولفت إلى أن السيناريوهات المطروحة لمستقبل غزة ترجّح استمرار نموذج "هندسة اللاحل" في حال غياب استراتيجية وطنية موحدة، مقابل إمكانية تغييره في حال إنهاء الانقسام وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة وصياغة استراتيجية كفاحية شاملة.

وأكد على أن المعركة المقبلة ستكون مزدوجة: حماية الإنسان الفلسطيني من القتل والتجويع والنزوح والانهيار الإنساني، وحماية المعنى السياسي للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية حرية وعودة وتقرير مصير، محذراً من محاولات تحويل الكارثة الإنسانية إلى مدخل لتصفية الحقوق الوطنية، ومشدداً على ضرورة تحويل الصمود إلى مسار لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية.