طوفان الجنيد*

بسم الله القائل في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أولياء ۘ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

وقال عزّ من قائل: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾

من هذا الكلام الحقّ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تُدرك الأُمَّــة معنى الولاية والآثار المترتبة على التولّي الصحيح في مختلف جوانب الحياة، بما فيها السياسة والدبلوماسية.

مفهوم «الولاية الدبلوماسية» وإدارة الصراع:

في العلاقات الدولية، تُمثّل «الولاية الحقيقية» لأية حكومة تفويضًا وطنيًّا كاملًا لحماية الأمن القومي ومصالح الشعب العليا، لا سِـيَّـما في محطات التفاوض السياسي والعسكري.

إن إدارة الصراع والتفاوض مع الأعداء أَو الخصوم التاريخيين تتطلّب صلابة وطنية، ووحدة في الرؤية، وتمسكًا بأوراق القوة السيادية لانتزاع الحقوق.

سلوك الحكومة اللبنانية في الآونة الأخيرة (حكومة سلام وقيادة عون) قدّم نموذجًا فاضحًا للانحراف عن هذا المفهوم.

فالأداء السياسي والتفاوضي لا يعكس منطق «الدولة الندية»، فقط جسّد مسارًا متعرجًا مناقضًا لتوجّـهات الشعب، قائمًا على التفريط بالسيادة، وتقديم تنازلات جسيمة للأعداء، وإهدار أوراق القوة الاستراتيجية، وتنفيذ رغبات العدوّ وتسهيل مهامه.

إن مثل هذا السلوك المشين يمكن توصيفُه استراتيجيًّا بأنه «تولٍّ للشيطان واتباع لخطواته»؛ حَيثُ يُمثّل «الشيطان» هنا العدوّ الأميركي الصهيوني المجرم بحق الشعب اللبناني وسائر الشعوب العربية.

فالرضوخ للإملاءات الخارجية، وتقديم التنازلات المجانية للأعداء، والتفريط بالسيادة الوطنية مقابل مكاسب وهمية أَو فئوية أَو سلطوية ضيقة، كلّها مؤشرات على هذا الانحراف الخطير.

مظاهر الانحراف في آليات التفاوض

إن الولاية الحقيقية التي تعرفها الأُمَّــة وتتعامل بمقتضاها تفرض على أية سلطة تنفيذية أن تدخل المفاوضات من موقع القوة والندية، مستندة إلى الدستور وإرادَة الشعب.

انحراف السلطة اللبنانية يتجلّى بوضوح عبر عدة مظاهر، أبرزها:

1- غياب الموقف الوطني الموحّد في الملفات التفاوضية الحساسة، سواء ما يتصل بالحدود أَو بالقرارات والاتّفاقات الدولية.

فقد تحوّلت الحكومة من مفاوض أصيل باسم الدولة إلى «ساعي بريد» أَو واجهة سياسية تُشرعن انتهاكات الأعداء والاحتلال عبر تفاهمات تُصاغ في غرف مغلقة خارج مؤسّسات الشرعية.

2- التعمّد الصارخ في إهمال أوراق القوة، رغم أن لبنان يمتلك تاريخًا عريقًا، وشعبًا مقاومًا، ومقاومة شجاعة، وثروات اقتصادية لا يُستهان بها.

هذه الأوراق تمثل قوة قانونية ودبلوماسية وميدانية، لكن بدل توظيفها لحماية السيادة وخدمة الشعب، جرى التفريط بها أَو إنكارها أَو التخلي عنها، ما أضعف الموقف التفاوضي اللبناني أمام أعدائه الأَسَاسيين.

ماذا يعني التولّي للشيطان الأمريكي سياسيًا؟

يعني الرضوخ للوصاية، وخِذلان الشعب اللبناني، والتآمر على مقاومته الباسلة، وخيانة دماء الشهداء، ورهن القرار الوطني ومصادرته، وتسليم القيادة لجهة معادية للمصالح الوطنية.

وقد أبرزت السلطة اللبنانية هذا التولّي من خلال:

التفاوض المباشر مع الأعداء من موقع الضعيف المستسلم.

القبول بأن يكون لبنان ساحة رسائل أَو ورقة مقايضة في البازار الإقليمي والدولي، بدل أن يكون فاعلًا في صياغة مستقبله.

ورغم التحفظ على سياسات حكومات سابقة، إلا أنها كانت، في الحد الأدنى، تعتمد «واقعية سياسية مقنّعة» لا تصل إلى حَــدّ الاستسلام الكامل، وتحافظ على خطوط حمراء تتصل بالأمن القومي.

كيف يتم اتباع خطوات الشيطان؟

إن التنازلَ عن الثوابت الوطنية لا يحدث دفعة واحدة، يتم عبر مسار تدريجي من «الخطوات» التي تُروّض العقل السياسي على القبول بما كان مرفوضًا سابقًا، ومنها:

تمرير اتّفاقيات أَو ترتيبات أمنية ودبلوماسية مجحفة تحت ذريعة المصلحة المؤقتة.

عزل لبنان عن عمقه الاستراتيجي الإسلامي المقاوم.

تطبيع فكرة التنازل المسبق في الملفات الأَسَاسية، كملفات الترسيم والترتيبات الأمنية، بدل الانطلاق من سقف تفاوضي عالٍ يحفظ الحقوق.

الأبعاد الاستراتيجية لهذا الانحراف

هذا النهج السياسي يحمل تداعيات كارثية على مستقبل لبنان، أبرزها:

تكريس معادلة «دولة بلا أنياب».

تعميق الشرخ بين السلطة والمقاومة الشعبيّة.

فرض حلول مؤقتة تتحول مع الزمن إلى أمر واقع يقضم السيادة الوطنية بشكل مستدام.

إن إنقاذ لبنان يفرض على قيادته التوجّـه نحو عقيدة سياسية وتفاوضية جديدة، تقوم على:

التمسك المطلق بالدستور والسيادة غير القابلة للتجزئة.

توحيد القرار السياسي تحت سقف الدولة ومؤسّساتها الشرعية.

رفض أية وصاية أَو إملاءات خارجية، والتعامل مع المجتمع الدولي بمنطق الندية والعدالة.

عندها فقط يمكن للبنان أن يستعيد هيبته الدبلوماسية، ويتحوّل من طرف يُتفاوض عليه إلى طرف تفاوضي فاعل يحمي أرضه وبحره وسيادته الوطنية كاملة.

حمى الله لبنان، وثبّت أقدام أبطاله المقاومين، وسدّد رميتهم، ونصرهم على عدوهم، إنه على كُـلّ شيء قدير.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب