قيامة الحنين
زينب الشهاري*
أحيانًا تشيخ اللحظات فجأة، ويرتدي الكون عباءة من الصمت الموجع حين يغيب الكبار.
ثمة رحيل لا تملك أمامه إلا أن تتلمس صدرك لتتأكد أن قلبك ما زال ينبض؛ رحيل يتجاوز فكرة الفقد العابر، ليترك شرخًا عميقًا في جدار الروح، وفراغًا موحشًا في الوجدان.. لقد غاب سراجنا، وانطفأ القنديل الذي كان يسكب نوره في عتمات دروبنا، وترجل الطود الذي طالما أسندنا إلى كلماته ظهورنا المتعبة.
كيف للغة بكل اتساعها أن تلملم شتات قلوبنا المكسورة؟ وكيف للحروف أن تتهجى لوعة يتامى فقدوا بوصلتهم في عتمة هذا العالم الموحش؟ الفقد هنا ليس غياب جسد يواريه الثرى فحسب، وإنما هو جرح بحجم السماء، وغصة تقف على حافة الحنجرة، ودمعة تأبى السقوط كي لا تخدش عظمة العطاء.
فقدنا المربي الذي كان يمسح بكف بصيرته على تجاعيد وجداننا، والملهم الذي غرس في حقول قلوبنا سنابل اليقين والصبر.
ولد في مشهد داخل بيت علم ودين، وعرف منذ طفولته حياة بعيدة عن الترف، ومن تلك البدايات المتواضعة حمل معه صرامة العالم وبساطة ابن البيوت التي تعرف قيمة الخبز والكتاب.
لم يكن يومًا مجرد قائد يقف على منابر التوجيه، بقدر ما كان نبضًا يسري في عروق المستضعفين، وقلبًا ينبض للمحرومين، ففي ليالي الحصار الباردة، حين كان زمهرير الخذلان يثقل صدور الناس، كان هو المعطف والمدفأة، وفي أزمنة الانكسار، حين كان اليأس يتسلل كاللص إلى نفوسنا، كان صوته الهادر يرتفع ليحتضن ويواسي ويعيد إيقاد قناديل الأمل من جديد.
للشعر في وجدانه منزل خاص، لم تكن القصيدة عنده زينة للمجالس، بل ذاكرة أمة ولسانًا يحفظ آلامها وأحلامها، فقد كان يصغي إلى الشعراء ويحفظ أبياتهم، كأن الرجل الذي عرفته المنابر صارمًا يجد بين القوافي فسحة يكشف فيها عن رقته الإنسانية.
جمع في شخصيته تلك الرقة الآسرة التي تجعله يبكي لمصاب طفل، والصلابة العظيمة التي أبقته كالجبل الأشم في وجه الطغاة، وحتى يده اليمنى التي أثقلتها إصابة محاولة اغتياله عام 1981، بقيت شاهدًا صامتًا على سنوات من الألم، ولم يخف أثرها، وإنما حملها كما يحمل الإنسان صفحة من سيرته لا تحتاج إلى شرح.
لقد علمنا بابتسامته المطمئنة ونظرته الثاقبة كيف ننتزع الحياة من قلب المحنة، وكيف نغزل من خيوط المستحيل بيارق للانتصار، فكان أبًا للثورة، وحارسًا للأحلام، ورجلًا ظل يبحث عن وطن محفوظ الكرامة..
يا لهذا الجسد المسجى.. كيف استطعت أن تحمل كل هذا التاريخ؟
لم تكن جنازته مشهد وداع عابر، بل كانت قيامة صغرى للحنين.. بحر من السواد المكلل بالدموع، وأمواج من البشر سارت خلف النعش، بعضهم يبكي علنًا، وبعضهم يحبس دمعه خشية أن يعترف بأن الجبل الذي اطمأن إليه قد غاب.
من طهران التي التفتت كأم ثكلى، إلى قم التي أنشدت مراثي الوداع، لتعبر قوافل الروح نحو طهر النجف، وتعرج إلى كربلاء بما تحملانه من ذاكرة الفقد والصبر، قبل أن تستقر الرحلة في مشهد.. ليعود إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية، هناك في جوار الإمام الرضا حيث تلتقي الأرواح في عناق أبدي.
امتدت مراسم الوداع أيامًا، ولم تكن المدن تودع رجلًا فحسب، بل تستودع الثرى مرحلة من تاريخها ووصية ثقيلة.
الألحان الحزينة التي صدحت في الآفاق لم تكن سوى تعبير عن أرواح أرادت أن ترافقه في رحلته الأخيرة، وفي لبنان، حيث صار الوجع جزءًا من تفاصيل البيوت، أخفت الأمهات دموعهن في مناديل الدعاء، وقلن لأبنائهن إن الرجال الذين يتركون أثرًا في حياة شعوبهم لا يموتون، وإنما يغيبون قليلًا ليعودوا في المواقف والكلمات، وفي كل سنبلة ورصاصة ويد ترفض الذل.
أيها الواهمون بأن الموت يمحو أثر الكبار، إن التاريخ لا يقرأ بنظرتكم. الدموع التي نذرفها اليوم ليست حزنًا على الماضي وحده، إنها عهد وقطرات من نور ونار تغسل نفوسنا وتوقد ثأرًا مقدسًا، فدماء وتضحيات الذين رحلوا لا تختصرها القبور ولا تنهيها مراسم الوداع، بقدر ما ترتفع لتصبح غيمًا يظلل طريق الثائرين.
ستبقى الوصية حية تتنفس في صدورنا.. خيط من النور يمتد من كربلاء، حيث انتصر الدم على سيف الجلاد، ليعانق سماء فلسطين الحبيبة، حيث تقف القدس ترتقب الوعد الصادق المنتظر.
الراحلون الكبار لا يعودون بأجسادهم، لكنهم يبقون في الأفكار والمواقف، وفي الأسئلة التي أيقظوها داخل شعوبهم.
يغيب الصوت وتبقى أصداؤه، وتطوى صفحة العمر، لكن الأثر يواصل مسيره في التاريخ.
سلام عليك يوم ولدت في مشهد طفلًا في بيت متواضع، ويوم وقفت أمام المحن ولم تنحن، ويوم حملت أثر الجراح في يدك وصوتك، ويوم عدت إلى مدينتك الأخيرة محمولًا على أكف المحبين لتكون أقرب إلى قلب الله.
يا سيدي.. يا رفيق أرواحنا المتعبة، سلام عليك يوم ولدت فجرًا في ليل الأمة، ويوم عشت غيمة تمطر خيرًا وثورة، ويوم ارتفعت إلى السماء نجمًا لا يطاله النسيان.. نم قرير العين، فقد أورثتنا عشقًا لا يموت، وبندقية لا تعرف الانحناء، وروحًا لا تقبل إلا الخلود.
*المقال يعبر عن رأي الكاتب

